مالي الجديدة: معركة السيادة في مواجهة الإنفصال و الإرهاب

بقلم : البراق شادي عبد السلام
تجسد الهجمات المنسقة التي اندلعت في الخامس والعشرين من أبريل 2026 اختبارا مصيريا لقدرة الدولة المالية على صون وحدتها الترابية أمام تحالف هجين يجمع بين أجندات “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) بقيادة إياد أغ غالي وطموحات “جبهة تحرير أزواد” الانفصالية و إمتداداها الإقليمية. إذ استهدف هذا التصعيد الميداني الواسع شل مراكز الثقل العسكري في مدينة كاتي، مقر إقامة الرئيس الانتقالي الجنرال أسيمي غويتا، بالتوازي مع ضرب المنشآت الحيوية في مطار موديبو كيتا الدولي والقاعدة الجوية 101 في باماكو. وعلى الرغم من خطورة هذا الاختراق الأمني لعمق العاصمة، إلا أن سرعة احتواء الموقف كشفت عن جاهزية قتالية متطورة وعقيدة عسكرية صلبة، تفرض في الوقت ذاته ضرورة تحديث المنظومة الاستخباراتية الاستباقية لمنع تكرار مثل هذه التسللات المركبة التي تراهن على عنصر المفاجأة. وتكشف مجريات الأحداث في مدن الشمال والوسط، خاصة مع إعلان المسلحين محاصرة كيدال واقتحام مخيم وباريا في غاو، عن محاولة يائسة لتقويض المكتسبات الميدانية التي حققتها القوات المسلحة المالية (FAMa) بدعم من شركائها في قوة “أفريقيا كوربس” التي تعمل ضمن إطار تعاقدي فني يحترم السيادة المالية ويهدف إلى تمكين الجيش من الاعتماد على قدراته الذاتية في الأمد المنظور، بعيدا عن نماذج الارتهان التقليدية. ويضع هذا المشهد المعقد المؤسسة العسكرية أمام مسؤولية تاريخية لفرض سيادة القانون وتطهير المربعات الأمنية من المجموعات المتسللة، منطلقا من قناعة راسخة بأن تقسيم مالي خط أحمر إقليمي لا يمكن يتجاوزه تحت أي ذريعة أو غطاء.
وارتباطا بهذا السياق الأمني، يبرز التحول الدبلوماسي الجوهري الذي اتخذته باماكو في العاشر من أبريل 2026 عبر وزير الخارجية عبد الله ديوب، والمتمثل في تجميد الاعتراف بـ “الجمهورية الوهمية الصحراوية” ودعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كعامل حاسم في إعادة رسم التوازنات الإقليمية بمنطقة الساحل. وتأتي هذه التحركات السيادية لتعزيز انخراط مالي في المحور الأطلسي الذي تقوده الرباط، سعيا لتأمين منافذ استراتيجية عبر المبادرة الملكية الأطلسية وكسر القيود الجيوسياسية التي فرضتها أطراف حاولت لسنوات جعل مالي حديقة خلفية للأجندة الإقليمية الجزائرية. ومن ثم، يظهر التصعيد العسكري الأخير كفعل مدفوع وموجه من أطراف إقليمية تسعى لتقويض استقرار مالي ردا على انهيار “اتفاق الجزائر للسلام” لعام 2015 وبسبب التقارب المالي-المغربي المتنامي الذي أربك حسابات الهيمنة التقليدية. إن هذا التقاطع المريب في التوقيت بين التحولات الدبلوماسية والتصعيد الميداني يشير بوضوح إلى توظيف الجماعات الإرهابية كأداة ضغط سياسي وورقة مساومة إقليمية؛ فاستحضار سياقات سابقة مثل أحداث تين زيواتين في يوليو 2024 والحقائق التي تؤكد أن النظام الجزائري يقوم بإيواء قادة الحركات المسلحة، يوضح أن امتدادات “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في الجزائر وبشكل خاص في مخيمات تندوف التابعة لميليشيا البوليساريو الإرهابية تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة الدعم اللوجستي والملاذات الآمنة المتاحة لها، مما يجعل المواجهة الحالية معركة لتصفية ذيول التبعية الخارجية.
وفي ذات السياق، تضع الهجمات المركبة التي هزت باماكو وكاتي وسيفاري ومدن الشمال فجر السبت الدولة المالية أمام نمط مكرر من الضغوط الميدانية، حيث يحمل هذا التصعيد ملامح تقاطعات سابقة شهدتها البلاد في يونيو 2025. ورغم سعي الجماعات المسلحة لإظهار قدرتها على التنسيق بين المكون الإرهابي والنزعة الانفصالية، إلا أن الواقع يشير إلى كونها حلقة ضمن مسلسل يسعى لاستنساخ سيناريوهات عام 2012 المتهالكة قبل تدخل عملية “سيرفال” التي انتهت دون حسم حقيقي وبقاء جذور الأزمة. وبناء على ذلك، تبرز محاولات المسلحين لتحييد الشركاء الدوليين للجيش المالي عبر مناورات إعلامية مضللة، كمحاولة لتعويض الفشل في زعزعة أركان النظام الانتقالي الذي نجح في إعادة تقييم عملية “برخان” واستبدالها بتحالفات أكثر توازنا وندية. فالقراءة المتأنية لما وراء سطور التصعيد الأخير تؤكد أن استهداف المؤسسة العسكرية يهدف بالدرجة الأولى إلى عرقلة مسار بناء “مالي الجديدة” (Mali Kura)، وهو مشروع نهضوي شامل لا يكتفي بالحسم العسكري، بل يمتد ليشمل استعادة هيبة الدولة عبر تقديم الخدمات الأساسية والتنمية الشاملة في المناطق المتضررة لقطع الطريق نهائيا أمام الفكر المتطرف وحواضنه المصطنعة.
وعلى الصعيد الداخلي، تتبدى ملامح “الإجماع الوطني الجديد” الذي يتشكل في ردهات باماكو السياسية، كحائط صد منيع يرفض مقايضة السيادة بالاستقرار الزائف أو المشروط. حين تلتف القوى الحية والمؤسسات المدنية خلف خيار الدولة القوية الذي يقوده الكولونيلات الخمسة وعلى رأسهم الجنرال أسيمي غويتا رئيس المرحلة الإنتقالية، إدراكا منهم أن بناء دولة المؤسسات لا يمر عبر استرضاء الكيانات الموازية أو الخضوع لابتزاز السلاح، بل عبر استعادة احتكار العنف المشروع وتوسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل كافة المكونات الملتزمة بالوحدة الترابية. إن الصمود الشعبي اليوم يعكس وعيا جمعيا بأن كلفة التحرر الوطني والقرار السيادي باهظة، لكنها الممر الإجباري والوحيد للانتقال من حالة “الوصاية الأمنية” المهينة إلى الاستقلال الحقيقي، مع ضرورة تعزيز هذا الصمود بخطوات اقتصادية ملموسة ترفع من مستوى معيشة المواطن المالي وتؤمن كرامته.
في نفس السياق يعد استشهاد وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا في هذا التوقيت الحرج انعكاسا مباشرا لحدة الصدام بين مشروع السيادة الوطنية المالية والأجندات الإقليمية المضادة، حيث يثبت استهداف مسؤول بهذا الثقل الاستراتيجي أن الدولة المالية، قيادة وقاعدة، قد انخرطت في مواجهة مفتوحة تجاوزت نمط الحروب بالوكالة إلى الاستهداف المباشر لرموز القرار السيادي، مما يضع المؤسسة العسكرية أمام حتمية الانتقال من إدارة الأزمة إلى الحسم الشامل؛ وفي سياق التحليل الجيوسياسي، فإن الدقة الاستخباراتية للهجوم وتزامنه مع التحول الدبلوماسي الجوهري لمالي تجاه المحور الأطلسي وتجميد الاعتراف بالكيانات الانفصالية و الإرهابية، يعزز فرضية تورط أجهزة مخابرات إقليمية سعت لاستخدام التنظيمات الإرهابية كأداة ضغط لتصفية حسابات سياسية ردا على كسر باماكو لقيود التبعية التقليدية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى تعميق الالتفاف الشعبي حول القيادة الانتقالية وتوفير غطاء وطني لاتخاذ إجراءات أمنية واستراتيجية غير مسبوقة لتطهير البلاد من جيوب التمرد وذيول التدخل الخارجي، محولا هذا الاغتيال من محاولة لزعزعة استقرار النظام إلى نقطة ارتكاز صلبة لتعزيز عقيدة “مالي الجديدة” القائمة على احتكار العنف المشروع ورفض أي مساومة على الوحدة الترابية.
بناء على التحولات الجيوستراتيجية المتسارعة، يمثل صمود القوات المسلحة المالية دليلا دامغا على امتلاك الدولة لزمام المبادرة، وقدرتها الفائقة على تحويل الضغوط الميدانية إلى فرصة تاريخية لتعميق الالتفاف الشعبي وتصفية جيوب التمرد. وارتباطا بهذه الرؤية، تظهر مالي اليوم كنموذج رائد في إعادة تعريف الشراكات الاستراتيجية ضمن إطار “تحالف دول الساحل” (AES) الذي يمثل الرد الإقليمي الحاسم والمنظم على مشاريع التجزئة والبلقنة. ويتجلى هذا التوجه السيادي في الانفتاح الجريء على محاور استقرار واعدة، تتقدمها المبادرة الأطلسية المغربية، كخيار استراتيجي يكسر قيود العزلة الجغرافية ويضع حدا نهائيا لمحاولات جعل الأراضي المالية حديقة خلفية للأجندات الإقليمية الضيقة، فتلازم الحسم الميداني مع الانفتاح الدبلوماسي الذكي يثبت أن مالي انتقلت بالفعل من مرحلة إدارة الأزمات المفروضة إلى مرحلة صياغة المستقبل السيادي الشامل.
الأكيد أن وحدة مالي وسيادتها المطلقة تظل هي الصخرة الصماء التي تتحطم عليها كل مشاريع التجزئة والفتن العرقية. فالمسار الذي بدأ بقرار وطني خالص يرتكز اليوم على وعي سيادي يدرك أن كلفة التحرر من وصاية القوى الإمبريالية والأطماع التوسعية الإقليمية للجزائر تظل هي الطريق الوحيد والآمن نحو بناء جمهورية قوية ومهابة الجانب. وبفضل التلاحم الاستثنائي بين المؤسسة العسكرية وتحالف دول الساحل، أصبحت مالي قادرة على حماية قرارها التاريخي وفرض سيادة القانون على كامل شبر من ترابها، مما يؤكد للعالم أجمع أن استقرار منطقة الساحل يمر حتما عبر احترام سلامة الدولة الوطنية ورفض المقايضة على أمن الشعب المالي أمام طموحات التوسع والاحتواء الإقليمي الفاشلة.




