مجتمع

موريتانيا ونزاع الصحراء: معادلة الحياد والتوازن الإقليمي

 

بقلم : محجوب البرش السباعي

 

 

في الثامن من يونيو من كل سنة تحل الذكرى المشؤومة بالهجوم الغادر الذي شنته البوليساريو بدعم ميداني و لوجيستي من الجزائر على العاصمة الموريتانية نواكشوط حيث لقي الغزاة حتفهم و على رأسهم مؤسس الجبهة الولي مصطفى السيد في سبخة أم التونسي شمال العاصمة الموريتانية. و احتفالا بهذا الصيد الثمين استعرض الجيش الموريتاني رفاته و كميات كبيرة من الأسلحة كانت تحمل طابع “هدية من ليبيا”. و جدير ىالذكر، أن العقيد معمر القدافي كان يوفر السلاح و المال بينما يوفر بوخروبة هواري بومدين اللجوء و الإسناد الاستخباراتي و العسكري و السياسي. تحالف ليبيا و الجزائر ضد المملكة المغربية و موريتانيا في قضية الصحراء كان بمثابة غرفة عمليات سياسية وعسكرية موحدة، التقت فيها طموحات بومدين الجيوسياسية مع النزعة الثورية للقذافي، فوجدت البوليساريو نفسها أداة في صراع إقليمي جيوسياسي تجاوز حدود النزاع الإقليمي حول الصحراء، مما زج بموريتانيا في حرب استنزاف لم يكن الاقتصاد و الشعب الموريتاني مستعد لها، أدى في النهاية إلى الإطاحة بنظام ولد داداه عسكريا في 10 يوليو 1978.

في مذكراته التي تحمل عنوان “موريتانيا في مواجهة العواصف والأمواج”، صرح الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه أن استهداف نواكشوط كان مؤشرا على انتقال الحرب إلى مستوى جديد، حيث أصبحت العاصمة نفسها هدفا للعمليات العسكرية. كما قدم الهجوم باعتباره محاولة خطيرة لضرب استقرار الدولة الموريتانية وإضعاف قدرتها على الاستمرار في خياراتها السيادية. إن المؤامرات التي كانت تشرف عليها الجزائر و ليبيا كان هدفها الاستراتيجي هو إضعاف التحالف المغربي-الموريتاني، و تحييد موريتانيا و استقطابها للتحالف الجزائري-الليبي من أجل ضرب استقرار المملكة المغربية التي كانت تجعل من قضية الصحراء هي شرط استقرار الدولة و الضامن لبقاء النظام الملكي.

لذلك يصعب فهم تطورات قضية الصحراء دون استحضار الدور المحوري الذي لعبته موريتانيا منذ اندلاع النزاع. فالجغرافيا والتاريخ والتركيبة الاجتماعية والامتدادات القبلية جعلت من موريتانيا أكثر من مجرد دولة مجاورة؛ لقد كانت، ولا تزال، هي العمق الاستراتيجي للمملكة المغربية، و طرفا معنيا بصورة مباشرة بمختلف التحولات التي عرفها هذا الملف منذ سبعينيات القرن الماضي. وعلى خلاف بعض القراءات التي تحاول اختزال دور نواكشوط في موقع “المراقب المحايد” ، رغم اعترافها الديبلوماسي بالجمهورية الوهمية، فإن الوقائع التاريخية تؤكد أن الدولة الموريتانية كانت ولا تزال في قلب الأحداث الكبرى التي تشكل مسار النزاع، سواء خلال مرحلة المواجهة العسكرية أو خلال مراحل البحث عن التسوية السياسية.

كان لابد للتحالف الجزائري- الليبي من إحداث خلخلة سياسية و صدمة قوية لتثوير الشعب الموريتاني من أجل تشكيل قوة ضاغطة على نظام المختار ولد دادة ، لذلك تم الهجوم على العاصمة الموريتانية نواكشوط يوم 8 يونيو 1976. ففي ذلك التاريخ تعرضت العاصمة لهجوم غير مسبوق قادته قوات جبهة البوليساريو بقيادة مؤسسها الولي مصطفى السيد، لكن الغزاة أصيبوا بهزيمة نكراء من الجيش الوطني الموريتاني الذي واجههم بشراسة فقتل مئات من عناصر المهاجمين و على رأسهم الأمين العام للبوليساريو و مؤسسها، الولي مصطفى السيد، ونائبه العسكري، حيث تم أسر 200 من العناصر المسلحة، فيما استشهد أربعة جنود موريتانيين وأصيب حوالي عشرة آخرين أثناء الغارة الغادرة.

انتهت العملية بفشل القوة المهاجمة ومقتل الولي مصطفى السيد، وهو الحدث الذي شكل نقطة تحول مفصلية ليس فقط في تاريخ البوليساريو، بل في مجمل توازنات النزاع الإقليمي. فمن الناحية العسكرية، أثبتت موريتانيا قدرتها على حماية مؤسساتها رغم الظروف الصعبة التي كانت تواجهها آنذاك. ومن الناحية السياسية، كشفت الأحداث حدود الرهانات التي كانت تراهن على تغيير موازين القوى عبر العمل العسكري المباشر ضد الدولة الموريتانية. وقد ربط عدد من الباحثين والمحللين بين ذلك الهجوم وبين السياق الإقليمي الذي كانت تتحرك داخله الجزائر و ليبيا خلال تلك المرحلة، حيث كانت تعتبر أن إضعاف الموقف الموريتاني قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة. غير أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات، إذ فشل الهجوم مؤقتا في تحقيق أهدافه، وتحول إلى واحدة من أكبر الانتكاسات العسكرية في تاريخ البوليساريو.

غير أن هذا الهجوم كانت له تبعات داخلية عسكرية و سياسية و اقتصادية بموريتانيا، إذ سرعان ما انقلبت موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية الموريتانية منذ أبريل 1979، و تم توقيع اتفاق السلام مع جبهة البوليساريو في الجزائر خلال غشت 1979، سعيا إلى الخروج من منطقة النزاع و تخليها عن مطالبها في وادي الذهب (تيرس الغربية) التي اكتسبتها في اتفاقية مدريد الثلاثية سنة 1975، غير أن الانسحاب الموريتاني لم يترك فراغا سياسيا أو ميدانيا لفترة طويلة، إذ تحرك المغرب بسرعة لتعزيز حضوره في المنطقة التي انسحبت منها موريتانيا، و فشلت البوليساريو و الجزائر في استعادة الإقليم بعد سحقهم في ملحمة معركة بئر أنزران بتاريخ 11 غشت 1979.

ورغم التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الموريتانية خلال العقود اللاحقة، بما في ذلك الاعتراف الدبلوماسي بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، فإن المتابع للعلاقات المغربية الموريتانية يلاحظ أن الروابط الاستراتيجية العميقة بين البلدين ظلت أقوى من كل التقلبات الظرفية، فالمغرب وموريتانيا تجمعهما اعتبارات جيوسياسية وأمنية واقتصادية تجعل استقرار أحدهما مرتبطا بصورة وثيقة باستقرار الآخر.

منذ الهجوم على نواكشوط سنة 1976 و بعد الاعتراف بجمهورية الوهم سنة 1979، ظلت موريتانيا تواجه عبر مراحل مختلفة من النزاع ضغوطا متنوعة من الجزائر و البوليساريو، ابرزها الحذر الشديد من جر الجيش الموريتاني إلى مواجهات أو مناوشات مع عناصر الجبهة بالحدود، وقد مثلت الهجمات التي استهدفت محيط معبر الكركرات ومحاولات تعطيل حركة العبور عبره احدى المحطات التي كشفت مدى حساسية الموقع الجغرافي لموريتانيا، باعتبارها دولة تعتمد على استقرار هذا الممر في ضمان انسيابية المبادلات التجارية مع المغرب وبلدان غرب افريقيا. وقد اعتبرت السلطات ووسائل إعلام موريتانية إغلاق المعبر تهديدا للمصالح الاقتصادية للبلاد، نظرا لما يسببه من اضطراب في تدفق السلع وارتفاع في اسعار بعض المواد الاساسية، وهو ما جعل معبر الكركرات يتحول من نقطة عبور حدودية الى ورقة ذات ابعاد جيوسياسية واقتصادية.

و لعل أقوى هجوم تعرضت له موريتانيا بعد غارة نواكشوط سنة 76، هو إغلاق معبر الكركرات سنة 2020 من طرف عناصر البوليساريو بإيعاز من الجزائر، لأن هذا المعبر هو أحد أهم المحاور التجارية البرية التي تربط أوروبا و المغرب بموريتانيا وبلدان غرب افريقيا، حيث تشكل المبادلات التجارية بين الرباط ونواكشوط عنصرا مهما في الاقتصاد الموريتاني، لا سيما فيما يتعلق بالمنتجات الغذائية والزراعية والصناعية، وفي المقابل، تسعى الجزائر الى تعزيز حضورها الاقتصادي في موريتانيا عبر مشاريع استراتيجية، من بينها مشروع الطريق الرابط بين تندوف_زويرات، وتطوير المعابر الحدودية والتعاون في مجالات التجارة والطاقة. و لذلك اعتبر عدد من المحللين أن تشجيع الجزائر البوليساريو على إغلاق معبر الكركرات هو حرب اقتصادية مقنعة نشبت في دائرة التنافس الاقتصادي والجيوسياسي بين الجزائر والمغرب لتوسيع مجالات النفوذ الجزائرية في منطقة الساحل وغرب افريقيا.

تكرار استهداف المدنيين عبر مقذوفات من طرف عناصر البوليساريو من داخل التراب الموريتاني ساهم في تعقيد البيئة الاستراتيجية بالحدود الموريتانية، خصوصا بعد تكرار الهجمات، التي تمت إدانتها من طرف المنتظم الدولي و اعتبارها اعتداء سافرا على سيادة المملكة المغربية. رغم صمت الدولة الموريتانية، الذي فسر مبدئيا بالتزام الحياد الدبلوماسي ، فإنها تعمل بصمت أيضا على تعزيز حضورها العسكري في المناطق الحدودية عبر تشديد المراقبة وضبط الشريط الحدودي، بهدف منع استغلال اراضيها كنقطة عبور او انطلاق لأي عمليات عسكرية او هجمات محتملة. كما حرصت على تعزيز التنسيق الأمني مع القوات المسلحة الملكية، و تنظيم لقاءات ميدانية مع الجانب الجزائري و البوليساريو لتقييم التهديدات المشتركة وتطوير اليات التعاون الحدودي.

تظهر التجربة الموريتانية في سياق نزاع الصحراء ان ادارة التوازن بين الاعتبارات الامنية والدبلوماسية والاقتصادية تمثل خيارا استراتيجيا أكثر منه موقفا ظرفيا، فبين ضغط الجغرافيا وتعقيد التنافس الاقليمي، تواصل نواكشوط تبني سياسة تقوم على الحياد المرن وتعزيز امنها الداخلي، مع الحفاظ على انفتاحها على مختلف الفاعلين في محيطها الاقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى