أرحنا بها يا بلال: الراحة في قلب العبادة

بقلم : د. يوسف الحزيمري
من طبيعة الإنسان أنه إذا داوم على الشيء انقطع عنه، فكان لابد من الاسترواح في الشيء سواء كان أقوالا أو أفعالا، قال “ابن هبيرة” في “الإفصاح عن معاني الصحاح”: «وقد جاءت شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادات كثيرة من صوم، وصلاة، وحج، وجهاد، وإنفاق، وابتغاء ولد يخلف أباه في عبادة ربه وبره، وقراءة، وتعلم وتعليم إلى غير ذلك، فمتى مد العابد الزمان في عبادة واحدة أضر بباقي العبادات فبحسب ما يزيد في شيء ينقص من غيره وذلك لا يصلح.»
قال الله تعالى: {لايكلف الله نفسا إلا وسعها} وقال أيضا: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} فجعل من شرط التكليف القدرة والاستطاعة، وقال : «… وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وقال أيضا: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ سُنَّةٍ فَقَدْ ضَلَّ، إِنِّي أَصُومُ، وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي، وَأَنَامُ، فَمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وقوله: «إن الله لا يمل حتى تملوا، اكلفوا عن العمل ما لكم به طاقة»، وقوله: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى».
قال الإمام الطحاوي في«شرح مشكل الآثار»: «قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أنها هي الحدة في الأمور التي يريدها المسلمون من أنفسهم في أعمالهم التي يتقربون بها إلى ربهم عز وجل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب منهم فيها ما دون الحدة التي لا بد لهم من التقصير عنها والخروج منها إلى غيرها، وأمرهم بالتمسك من الأعمال الصالحة بما قد يجوز دوامهم عليه، ولزومهم إياه حتى يلقوا ربهم عز وجل عليه، وروي عنه صلى الله عليه وسلم في كشف ذلك المعنى أنه قال: ” أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” »
وقال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله في المفهم: «ويوضح هذا المعنى ويُبيِّنَه: أنَّ عبادة الله إنَّما هي امتثالُ أوامره الواجبة والمندوبة، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما من زمان من الأزمان إلا وتتوجَّهُ على المكلَّف فيه أوامر أو نواهٍ، فمن قام بوظيفة كل وقت فقد أدَّى العبادة، وقام بها. فإذا قام بالليل مصلِّيًا: فقد قام بوظيفة ذلك الوقت. فإذا احتاج إلى النوم لدفع ألم السّهر، ولتقوية النفس على العبادة، ولإزالة تشويش مدافعة النوم المشوَّشة للقراءة، أو لإعطاء الزوجة حقَّها من المضاجعة: كان نومُه ذلك عبادةً كصلاتِه، وقد بيّن هذا المعنى سلمان الفارسي لأبي الدرداء بقوله: لكنِّي أقوم وأنام، وأحتسب في نومتي ما أحتسبه في قَومتي. وكذلك القول في الصيام. وأمَّا التزويج فيجري فيه مثل ذلك وزيادة نيَّة تحصين الفرج، والعين، وسلامة الدين، وتكثير نسل المسلمين. وبهذه القصود الصحيحة تتحقق فيه العبادات العظيمة.»
والاسترواح في اللغة: التشمر،…والريَاحَةُ أَن يَرَاحَ الإنسانُ إِلَى الشَّيْء يَنْشَطُ إِليه.»
واستراح، واستروح: تسلىّ، تلهى…، واستراح إلى الشيء: وجد فيه تسلية،…ويقال أيضاً استراح في ذلك مع فلان: نفّس عن نفسه بالكلام معه عن ذلك الشيء.
وفي المعجم الوسيط: «(استروح) استرواحا استراح، وَإِلَيْهِ سكن وَاطْمَأَنَّ، والغصن تمايل، وَالرجل اختال، وَالشَّيْء وجد رِيحه وتشممه، والمطر الزَّرْع أَحْيَاهُ».
وسميت “التراويح”: قيل: إنها مأخوذ من الراحة، والسبب في ذلك أنهم كانوا يرتاحون بين كل تسليمتين، فقد كانوا يطيلون حتى اعتمدوا على العصي، كما في الأثر حين جمع عمر الناس لصلاة التراويح وجعل أبياً الإمام، فقالوا: إنها سميت بذلك لمكان الاسترواح والراحة في أثناء هذه الصلاة.»
يقول الدكتور “مُحَمَّد بن حَسَن بْن عَقيل مُوسَى الشَّريْف”: «أن الترويح والمستراحَ إليه أمر نسبيّ يختلف من شخص لآخر، فرُبّ شخص يستريح إلى قراءة القرآن وحفظه، وآخر يستريح إلى قراءة كتب السَّمر، وثالث يفزع إلى إخوانه في الله فيستريح إليهم، ورابعٌ راحته في التسبيح والتهليل والتكبير والاستغفار، وهكذا …
إذاً ليس من الضروريّ أن يكون الشيء المستراحُ إليه والمستجمُّ به لهواً أو مَحْضَ تضييع للأوقات، بل يمكن أن يكون في الاسترواح فائدةٌ عظيمة.
وانظر إلى ابن عقيل الحنبيلي رحمه الله تعالى صاحب ((الفنون)) كيف يُروِّح عن نفسه:((إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح))»
وكل إنسان يجد راحته في شيء ما يستروح إليه ويركن له، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((أرحنا بها يا بلال)) أي أشغلنا عما سواها بها.، فإنه تعب وكدح، وإنما الاسترواح في الصلاة فأرحنا بندائك بها.»
فكان لرسول الله في الصلاة قرة عين يستريح إليها وبها، فكانت الصلاة راحة، فيحصل له بها من الاسترواح ما يزيل عنه تلك المشاق الكثيرة.
وختامًا، فإن هذا الاستعراض لمعاني الاسترواح وأدلته الشرعية يكشف حقيقةً جديرة بالتأمل: أن الدين الذي أُنزل رحمةً للناس لم يأتِ بتكليفهم فوق طاقتهم، بل جاء بمنهج متوازن يجمع بين الجد والراحة، بين العبادة والاسترواح المباح، وما ذاك إلا لعلم الشارع الحكيم بطبيعة النفس البشرية التي تكلّ إن أُرهقت وتنشط إن رُوّح عنها.
فالنوم بعد قيام الليل، والفطر بعد الصيام، وطلب الأنس بالإخوان، وكل ما يجد فيه المرء راحته المشروعة، كل ذلك لا يتعارض مع كمال العبودية، بل قد يكون سببًا في دوامها وثباتها، ما دام القصد فيه صالحًا والباعث عليه سليمًا. وصدق النبي ﷺ إذ يقول: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، فالديمومة على القليل خير من الانقطاع بعد الكثير، والاعتدال طريق الثبات، والإفراط طريق الانقطاع.
فليتأمل المسلم في نفسه وطاقته، وليتخذ من الاسترواح المباح عونًا له على طاعة ربه لا صارفًا عنها، مقتديًا في ذلك بهدي النبي ﷺ الذي كان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، فجمع بين حق الله وحق النفس على أكمل وجه وأتمّه.




