غاية السالكين: حقيقة القرب من الله وأسبابه

جمعه: د. يوسف الحزيمري
إن من أعظم ما ينشده القلب المؤمن، وأسمى ما تتوق إليه النفس المخبتة، هو القرب من الله تبارك وتعالى، فهو غاية السالكين، ومنتهى آمال العارفين، وقُرّة عين المحبين. وقد تواترت الإشارات في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى هذا المقام الرفيع، وتناوله العلماء والمربّون قديمًا وحديثًا بالبيان والتفصيل، كلٌّ من زاوية نظره ومشربه.
ولمّا كان القرب من الله حقيقةً لا تُدرك بالحواس، ولا تُقاس بمقاييس المكان والجهة، احتاج الأمر إلى تأمل عميق في أقوال أئمة هذا الشأن، الذين فتح الله عليهم في فهم هذا المعنى الجليل، فبيّنوا حقيقته، وكشفوا عن أسبابه وعلاماته، وأرشدوا السالكين إلى طريق الوصول إليه.
وفي هذا المقال، نحاول أن نجمع طرفًا من كلام هؤلاء الأئمة الأعلام؛ كابن القيم، والرازي، والغزالي، وابن تيمية، وغيرهم رحمهم الله جميعًا، لنقف على حقيقة القرب من الله، وأسبابه المُوصلة إليه، من إيمان وعلم وعبادة وتضرع وتوبة، سائلين الله تعالى أن يجعلنا من أهل قربه، وأن يرزقنا صدق التوجه إليه.
أولاً: حقيقة القرب من الله
حقيقة قرب العبد من الله كما عند ابن القيم رحمه الله: أن يَشْغَله قرب الحقِّ عن كلِّ ما سواه؛ فكما أن القريب من السلطان جدًّا، المقبلَ عليه، المكلَّمَ له، لا يشتغل بشيء سواه البتَّة، فكذلك على قدر قرب العبد من الله يكون اشتغاله به[1]. ولهذا فسَّر رحمه الله الولاية بأنها القرب من الله، فولي الله هو القريب منه المختص به، إذ الولاء في اللغة هو القرب[2].
وقد نفى الإمام الرازي رحمه الله أن يكون هذا القرب حسيًّا بالمكان أو الجهة، وبيّن أنه إنما يتحقق حين يستغرق القلب في نور معرفة الله، فيكون رأيه في دلائل قدرة الله، وسمعه في آيات الله، ونطقه بالثناء عليه، وحركته في خدمته، واجتهاده في طاعته؛ فعندئذ يبلغ العبد غاية القرب ويكون وليًّا لله، والله وليٌّ له كذلك، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]، إذ القرب -كما يقول- لا يحصل إلا من الجانبين[3].
أما الإمام الغزالي رحمه الله فيرى أن هذا القرب هو قرب الكمال لا قرب المكان، وأن الكمال الحقيقي الموجب للقرب من الله وملائكته يقوم على ركنين: العلم بالله، والحرية من أسر الشهوات وهموم الدنيا، تشبُّهًا بالملائكة الذين لا تستفزهم شهوة ولا يستهويهم غضب[4]. ويقول في “المقصد الأسنى”: من اقتدى بالملائكة في هاتين الخصلتين بَعُد عن البهيمية وقَرُب من الملَك، والملَك قريب من الله، فيكون بذلك قريبًا منه سبحانه[5]. ويضيف في “معارج القدس” أن كل موجود مشتاق إلى كماله الممكن، فإن ناله التحق بما هو فوقه، وإن حُرمه هبط إلى ما دونه؛ فالإنسان بين أن يلتحق بأفق الملائكة فتكون تلك سعادته، أو ينحدر إلى رتبة البهائم فيكون ذلك شقاءه، أعاذنا الله منه[6].
ثانيًا: أسباب القرب من الله وعلاماته
1. الإيمان والمعرفة: لا سبيل إلى القرب من الله إلا بالإيمان، إذ لا يُتصوَّر سلوك طريقه دون معرفة حقيقته ومُقتضاه، كما قرر ذلك الغزالي رحمه الله[7]. وقال في موضع آخر: إن السعادة الأخروية إنما هي في القرب من الله والنظر إلى وجهه، ولا يُنال ذلك إلا بالمعرفة التي يُعبَّر عنها بالإيمان والتصديق[8]. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾، فسَّر ابن عطية “الدرجات العلى” بأنها القرب من الله تعالى[9]. ويقول الغزالي أيضًا: إن ثمرة العلم هي القرب من رب العالمين والالتحاق بأفق الملائكة[10].
2. الطاعة واجتناب المعاصي: يلازم العلمَ العملُ من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، فالتطهر من الذنوب -كما يقول الرازي رحمه الله- هو المؤثر في القرب من الله واستحقاق ثوابه. وقال الإمام المحاسبي رحمه الله: من أحب القرب من الله فليترك ما يُباعده عنه[11].
3. الصلاة والسجود: من أعظم أسباب القرب الصلاةُ فريضةً ونافلة، وخاصة السجود، لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]، وقد فسَّر مجاهد رحمه الله ذلك بأن أقرب ما يكون العبد من ربه حين يكون ساجدًا[12]. وفي قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 98]، يذكر ابن عطية رحمه الله أن السجود هو أكرم أحوال الصلاة وأقربها إلى نيل الرحمة[13].
4. الدعاء والتضرع: ومن أسبابه أيضًا المناجاة والتضرع والدعاء، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. ويلفت الرازي رحمه الله النظر إلى دقيقة بلاغية هنا: إذ لم يقل تعالى “فقل إني قريب” بل باشر الجواب مباشرة، وفي ذلك إشارة إلى أن العبد لا يحتاج إلى واسطة بينه وبين ربه في مقام الدعاء، فإذا ارتفعت الوسائط كليًّا تحقق القرب، إذ العبد ما دام ملتفتًا إلى غرض نفسه فذلك حجابٌ يمنعه عن ربه[14]. ويضيف رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ [البقرة: 286]، أن حذف لفظ “ربنا” في هذا الموضع إشارة لطيفة إلى أن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من ربه، فاستغنى عن صيغة النداء التي لا تُطلب إلا عند البُعد[15].
5. التوبة: ومن أسباب القرب أيضًا التوبة، إذ يقول ابن تيمية رحمه الله: إن التوبة لا بد منها لكل مؤمن، ولا يبلغ أحد كمال القرب من الله ويزول عنه ما يكره إلا بها[16].
ثالثا: علامة القرب من الله:
يقول ابن القيم رحمه الله: إن حظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان[17].
وأما علامة هذا القرب فهي توفيق الله للعبد إلى طاعة أخرى بعد التي تقرب بها إليه أولاً، ولُطفه به وتأييده فيها، كما جاء في الحديث القدسي: «وما يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به…» (رواه البخاري). فالمقرَّب مؤيَّد في حركاته وسكناته، ومحال أن يتقرب العبد إلى الله بصدق وإخلاص ولا يتقرب الله منه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
رابعا: ابتغاء الوسيلة إلى القرب:
يقول الحسين بن محمود المظهري رحمه الله: لا شك أن درجات القرب من الله غير متناهية[18]. ولذلك أمر الله عباده بابتغاء الوسيلة إليه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35]. وكان من حال المؤمنين أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة التي هي القرب منه، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: 57]، أي يطلبون القربى من الله بالطاعة والعبادة والدعاء، وقد جاءت الآية بصيغة المضارع لتدل على التجدد والاستمرار[19].
وفي معنى “الوسيلة” يذكر ابن القيم رحمه الله قولاً عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والفراء: أنها القربة، وقال قتادة: تقربوا إليه بما يرضيه[20]. ويختم الإمام القرطبي رحمه الله هذا المعنى بقوله: إن القرب من الله وثوابه ليس مما يُشارَك فيه الغير، بل تنبغي فيه المنافسة والمسابقة، بخلاف حظوظ الدنيا التي الفضل في تركها وإيثار الغير بها[21].
وبعد هذا العرض لأقوال الأئمة رحمهم الله في حقيقة القرب من الله وأسبابه، يتبين لنا أن هذا المقام العظيم ليس أمرًا حسيًّا يُدرك بالمكان أو الجهة، وإنما هو حالٌ قلبية، ومقامٌ روحي، يتحقق باستغراق القلب في معرفة الله سبحانه، وانشغاله به عمّا سواه، حتى يصير العبد -كما وصفه ابن القيم رحمه الله- لا يلتفت إلى غير ربه، كحال المقرَّب من السلطان الذي لا يشتغل بشيء دونه.
ويتضح أيضًا أن لهذا القرب أسبابًا متعددة، تتضافر جميعها لتحقيقه: فأولها الإيمان الصادق الذي هو أساس كل قرب، ثم العلم بالله الذي تنبني عليه الطاعة والعمل الصالح، ثم اجتناب المعاصي والذنوب التي تُبعد العبد عن ربه، ثم الصلاة وما اشتملت عليه من سجود هو أقرب أحوال العبد من مولاه، ثم الدعاء والمناجاة والتضرع، وأخيرًا التوبة التي بها يكمل للعبد قربه من الله ويزول عنه ما يكرهه.
وإذا كانت درجات هذا القرب -كما قال المظهري رحمه الله- غير متناهية، فإن ذلك يفتح الباب واسعًا أمام كل مؤمن راغب في هذا المقام، ليجتهد ويتزود، ويبتغي إلى الله الوسيلة كما أمر سبحانه في محكم تنزيله. فحريٌّ بالعبد أن ينافس في هذا الميدان ويسابق إليه، إذ ليس القرب من الله وثوابه مما يُشارَك فيه الغير، بل هو ميدان تفاضل واستباق، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السابقين إليه، وأن يرزقنا حقيقة القرب منه في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم قدِّسنا عن كل صفة رديئة، وطهِّر ظواهرنا وبواطننا عن الركون إلى ما سواك، حتى لا يبقى لنا حظ إلا فيك، ولا شوق إلا إلى لقائك، ولا فرح إلا في القرب منك، آمين.
الهوامش:
«مدارج السالكين» (2/ 113 ط عطاءات العلم)
«بدائع الفوائد – ط الكتاب العربي» (3/ 106)
«تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير» (17/ 276)
«إحياء علوم الدين» (3/ 284)
«المقصد الأسنى» (ص48)
«معارج القدس في مدارج معرفه النفس» (ص91)
«إحياء علوم الدين» (4/ 60)
«إحياء علوم الدين» (4/ 25)
«تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» (4/ 54)
«إحياء علوم الدين» (1/ 12)
«آداب النفوس للمحاسبي» (ص181)
«أحكام القرآن للشافعي – جمع البيهقي ت عبد الخالق» (1/ 70)
«تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» (3/ 376)
«تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير» (5/ 264)
«تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير» (7/ 124)
«مجموع الفتاوى» (15/ 55)
«رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه» (ص39)
«المفاتيح في شرح المصابيح» (6/ 66)
«تفسير القرآن الثري الجامع» (15/ 57)
«زاد المسير في علم التفسير» (1/ 543)
«المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (6/ 206)


