مجتمع

التوقيت الميسر في الجامعة: ليس تراجعًا عن المجانية بل استثمار في المستقبل

 

بقلم: د. حسن حمائز

نائب رئيس جامعة ابن زهر

 

كلما طرحت الجامعة فكرة اعتماد التوقيت الميسر، سرعان ما يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام خطوة تمهّد للتراجع عن مجانية التعليم؟ وهل يمكن أن يتحول التوقيت الميسر إلى مدخل للمساس بمبدأ ظل يشكل أحد مرتكزات التعليم العمومي؟

في تقديري، الجواب يحتاج إلى قدر من الهدوء والموضوعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة. فالتوقيت الميسر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تراجعًا عن مجانية التعليم، وإنما باعتباره صيغة جديدة لتنظيم الدراسة والتكوين، تستجيب لتحولات المجتمع وحاجات فئات لم يعد بإمكانها الاستفادة من التوقيت الجامعي التقليدي.

المسألة ببساطة تتعلق بموظف أو مستخدم يعمل طوال النهار، لكنه يرغب في مواصلة دراسته، أو تطوير مؤهلاته، أو الحصول على شهادة جديدة، أو إعادة تأهيل نفسه لمواكبة التحولات التي يعرفها مجال عمله. هل نغلق أمامه باب الجامعة لأن التوقيت العادي لا يناسب وضعه المهني؟ أم نبحث عن صيغة تجعل الجامعة أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة لحاجاته؟

هنا بالضبط تكمن قيمة التوقيت الميسر.

 

الجامعة ليست فضاءً للطلبة فقط

لقد تغيرت وظيفة الجامعة بشكل كبير. فلم تعد الجامعة مجرد محطة يحصل فيها الشاب على شهادة ثم يغادرها إلى سوق الشغل، وإنما أصبحت مؤسسة للمعرفة والتكوين المستمر وإعادة التأهيل ومواكبة التحولات المهنية والاجتماعية.

إن العالم يتغير بسرعة، والمهن تتغير معه. التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية تفرض على الإنسان أن يتعلم باستمرار، وأن يراجع معارفه ومهاراته بشكل متواصل.

وفي هذا السياق، يصبح من غير المنطقي أن تظل الجامعة محصورة في نموذج واحد للتعلم، وكأن جميع المستفيدين منها يعيشون الظروف نفسها.

الموظف، والمستخدم، والأستاذ، والعامل، والمهني، ورجل الأعمال، وغيرهم من الفاعلين، قد يجدون أنفسهم في حاجة إلى الجامعة في مراحل مختلفة من حياتهم المهنية.

فلماذا لا تفتح الجامعة أبوابها أمامهم في أوقات تتناسب مع ظروفهم؟

 

مجانية التعليم شيء، وتنويع أنماط التكوين شيء آخر

ربط التوقيت الميسر مباشرة بالتراجع عن مجانية التعليم ينطلق من خلط بين أمرين مختلفين.

فالحفاظ على مجانية التعليم العمومي لا يتعارض، من حيث المبدأ، مع تطوير أنماط أخرى من التكوين تستجيب لفئات مهنية واجتماعية لها حاجات خاصة.

المهم هو أن يكون هناك وضوح في العرض، وشفافية في التدبير، واحترام للقواعد القانونية، وضمان للعدالة وتكافؤ الفرص.

فليس كل ما تقدمه الجامعة بالضرورة نسخة واحدة من التعليم الجامعي التقليدي. هناك التكوين المستمر، والتكوين مدى الحياة، والتكوين المهني المتخصص، وبرامج التأهيل وإعادة التأهيل، وغيرها من الصيغ التي يمكن أن تجعل الجامعة أكثر انفتاحًا على محيطها.

ومن هنا، فإن التوقيت الميسر ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من هذا التطور الطبيعي في وظائف الجامعة.

 

ولماذا نخشى من أن تحصل الجامعة على موارد إضافية؟

هناك جانب آخر يستحق النقاش بصراحة، وهو الجانب المالي.

فالجامعة تحتاج إلى الموارد. وهذه ليست حقيقة ينبغي إخفاؤها أو التعامل معها باعتبارها أمرًا محرجًا.

نريد جامعة حديثة، ومدرجات مجهزة، ومختبرات متطورة، ومكتبات رقمية، وبنيات تحتية ملائمة، ومنصات تعليمية حديثة، وبحثًا علميًا قادرًا على المنافسة، وتكوينات تستجيب للتحولات المتسارعة.

لكن كل ذلك يحتاج إلى إمكانات.

إذا كان التوقيت الميسر، في إطار قانوني واضح، يستطيع أن يوفر موارد إضافية للجامعة، فلماذا نرفض هذه الإمكانية مسبقًا؟

السؤال الحقيقي ليس: هل ستتوفر الجامعة على موارد إضافية؟

السؤال هو: كيف ستُدبَّر هذه الموارد، وأين ستُستثمر، وكيف سيعود أثرها على الجامعة وطلبتها وأساتذتها ومحيطها؟

إذا كانت هذه الموارد ستوجه إلى تحسين التجهيزات، وتطوير البنيات، ودعم البحث العلمي، وتعزيز الرقمنة، وتحسين جودة التكوين، فإن أثرها الإيجابي لن يتوقف عند المستفيدين من التوقيت الميسر، بل سيمتد إلى المؤسسة الجامعية برمتها.

الجامعة التي لا تستثمر في نفسها تخسر معركة المستقبل

لا يمكن أن نطالب الجامعة بأن تكون في طليعة المؤسسات التي تصنع المستقبل، ثم نرفض في الوقت نفسه كل محاولة لتنويع مواردها وتطوير آليات اشتغالها.

الجامعة اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة: انفجار المعرفة، التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، المنافسة الدولية، تغير سوق الشغل، وتزايد الطلب على التكوين المستمر.

وفي مواجهة كل ذلك، تحتاج الجامعة إلى مرونة أكبر، وموارد أكبر، وقدرة أكبر على الابتكار.

التوقيت الميسر يمكن أن يكون إحدى الأدوات التي تساعدها على ذلك.

إنه ليس مجرد تغيير في ساعة الدخول إلى المدرج أو الخروج منه؛ بل يمكن أن يكون جزءًا من فلسفة جديدة تجعل الجامعة أكثر انفتاحًا على المجتمع وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجاته.

 

الموظف ليس مجرد مستفيد… بل شريك في بناء الجامعة

ومن الخطأ النظر إلى الموظفين والمستخدمين الراغبين في الدراسة بالتوقيت الميسر باعتبارهم مجرد فئة تبحث عن خدمة جامعية.

هؤلاء مواطنون يشتغلون ويساهمون في الاقتصاد والإدارة والمجتمع، ويرغبون في الاستثمار في أنفسهم علميًا ومهنيًا.

حين تتيح لهم الجامعة فرصة الدراسة في أوقات مناسبة، فإنها تساعدهم على تطوير قدراتهم، وهو ما سينعكس بدوره على مؤسساتهم ومهنهم وعلى المجتمع ككل.

وهكذا يصبح التوقيت الميسر حلقة وصل بين الجامعة ومحيطها المهني والاجتماعي.

 

لنطرح السؤال الصحيح

ربما حان الوقت للانتقال من سؤال: «هل التوقيت الميسر ضد مجانية التعليم؟» إلى سؤال أكثر نضجًا:

كيف يمكن أن نحافظ على مجانية التعليم، ونوسع في الوقت نفسه دائرة المستفيدين من الجامعة، ونوفر لها موارد إضافية، ونرفع جودة تكويناتها، ونستعد بها للمستقبل؟

هذا هو النقاش الذي يستحق أن نخوضه.

فالجامعة ليست مؤسسة جامدة، والمجتمع ليس هو المجتمع نفسه الذي كان قبل عقود، واحتياجات المتعلمين لم تعد واحدة، وسوق الشغل لم يعد ينتظر من الجامعة أن تقدم له خريجين بالشكل التقليدي نفسه.

نحن أمام زمن جديد يحتاج إلى جامعة مرنة، منفتحة، مبتكرة وقادرة على تمويل جزء من تطورها من خلال تنويع خدماتها وتكويناتها، دون المساس بالمبادئ الأساسية للتعليم العمومي.

 

التوقيت الميسر… فرصة لا ينبغي تفويتها

إن التوقيت الميسر، إذا أحسن تنظيمه وتأطيره وتدبيره، يمكن أن يتحول من مجرد صيغة للدراسة في أوقات مناسبة إلى رافعة لتحديث الجامعة.

هو فرصة للموظف والمستخدم كي يواصل تعليمه دون أن يتخلى عن عمله.

وهو فرصة للجامعة كي تستقبل فئات جديدة من المجتمع.

وهو فرصة لتطوير التكوين المستمر.

وهو فرصة لتوفير موارد إضافية تساعد المؤسسة على تحسين بنياتها وتجهيزاتها.

وهو، قبل كل شيء، فرصة لكي تثبت الجامعة أنها قادرة على التكيف مع متطلبات العصر.

لذلك، فإن التوقيت الميسر لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره تراجعًا عن مجانية التعليم، بل باعتباره آلية من آليات توسيع العرض الجامعي وتنويعه، وتطوير موارد المؤسسة، والاستثمار في الإنسان وفي الجامعة معًا.

فالجامعة التي تريد أن تواجه المستقبل لا يكفي أن تحافظ على ما راكمته؛ عليها أيضًا أن تبتكر، وأن تتجدد، وأن تبحث عن موارد جديدة، وأن تفتح أبوابها أمام كل من يريد أن يتعلم.

والتوقيت الميسر، في جوهره، ليس بابًا لإغلاق الجامعة أمام المجتمع، بل يمكن أن يكون بابًا جديدًا لفتح الجامعة على المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى