حين يتحول الحوار الإعلامي إلى ساحة لتصفية الحسابات؟ استضافة رئيس جماعة تيزنيت تفتح باب الأسئلة حول التوقيت والرسائل السياسية

بقلم: عابد أموسى –
لم تكن استضافة رئيس المجلس الجماعي لتيزنيت، عبر أثير راديو مارس، مجرد حوار عابر بالنسبة إلى عدد من المتابعين للشأن المحلي والسياسي بمدينة تيزنيت، خصوصاً أن الرجل يوجد في مرحلة سياسية دقيقة، تسبق الاستحقاقات التشريعية، وتعرف فيها الساحة المحلية ارتفاعاً في منسوب النقاش حول الحصيلة والتدبير والاختيارات المستقبلية.
ومن هنا، يحق للرأي العام أن يطرح سؤالاً بسيطاً ومشروعاً: هل كان الحوار موجهاً فعلاً لمناقشة حصيلة المجلس وقضايا الرياضة والشأن المحلي، أم أن بعض مضامينه وطريقة طرح الأسئلة جعلت منه مساحة لإعادة تقديم صورة سياسية معينة عن رئيس المجلس؟
السؤال هنا لا يحمل اتهاماً لأي جهة، ولا يفترض وجود نية مسبقة لدى معدّي البرنامج أو ضيوفه، وإنما يستند إلى حق الجمهور في قراءة المشهد الإعلامي والسياسي بكل استقلالية.
فالإعلام الرياضي، عندما يستضيف مسؤولاً منتخباً، يصبح أمام مسؤولية مضاعفة، خاصة إذا كان الضيف شخصية سياسية لها حضور انتخابي. إذ لا تعود الأسئلة مرتبطة فقط بالرياضة، وإنما يمكن أن تُقرأ تصريحات المسؤول ومواقفه داخل سياق سياسي أوسع، خصوصاً عندما تكون الانتخابات على الأبواب.
هل كان الحوار مهنياً بالقدر الكافي؟
من حق أي مسؤول منتخب أن يُسأل عن تدبيره، وأن يواجه الأسئلة الصعبة، بل إن الصحافة الجادة لا يمكن أن تكون مجرد منصة للمجاملة أو الترويج.
لكن في المقابل، من حق المشاهد والمستمع أيضاً أن يتساءل: هل تم منح رئيس المجلس المساحة الكافية لتقديم المعطيات والرد على مختلف القضايا، أم أن طبيعة بعض الأسئلة دفعت الحوار نحو زاوية واحدة دون أخرى؟
فالفرق كبير بين الحوار النقدي الذي يبحث عن الحقيقة، وبين الحوار الذي قد يترك لدى المتلقي انطباعاً مسبقاً قبل اكتمال الصورة.
وإذا كانت هناك ملاحظات أو انتقادات مرتبطة بتدبير المجلس الجماعي لتيزنيت، فمن الطبيعي أن تُطرح، لكن المهنية تقتضي كذلك وضع الأرقام والمعطيات والوقائع أمام الرأي العام، وترك الحكم النهائي للمواطن.
الانتخابات تفرض مزيداً من الحذر
لا يمكن تجاهل عامل التوقيت.
فرئيس المجلس الجماعي لتيزنيت ليس فقط مسؤولاً منتخباً عن تدبير الشأن المحلي، بل إن حضوره السياسي يجعله معنياً بشكل مباشر بالنقاش الانتخابي المقبل.
وهنا تبرز أسئلة أخرى أكثر حساسية:
هل يمكن فصل التغطية الإعلامية لشخصية سياسية عن السياق الانتخابي الذي تجري فيه؟
وهل أصبحت بعض المنابر الإعلامية، من حيث تدري أو لا تدري، جزءاً من المشهد السياسي عندما تستضيف مسؤولين منتخبين في فترات تسبق الاستحقاقات؟
هذه ليست اتهامات، وإنما أسئلة ينبغي أن تطرحها الصحافة على نفسها قبل أن يطرحها عليها الرأي العام.
تيزنيت تحتاج إلى نقاش الحصيلة لا إلى صناعة الانطباعات
المواطن التيزنيتي اليوم لا يحتاج بالضرورة إلى معارك إعلامية بين هذا الطرف وذاك، بقدر ما يحتاج إلى نقاش حقيقي حول الحصيلة والإنجازات والاختلالات والانتظارات.
يريد أن يعرف ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ لماذا تعثر؟ من يتحمل مسؤولية الاختيارات؟ وما هي المشاريع التي تنتظر المدينة وساكنتها؟
وإذا كان رئيس المجلس قد ارتكب أخطاء في التدبير، فالمطلوب مساءلته عنها بالأرقام والوثائق والمعطيات، وإذا كانت هناك إنجازات، فمن الإنصاف كذلك عرضها أمام الرأي العام.
أما اختزال التجربة الانتخابية في مقاطع أو تصريحات أو لحظات إعلامية، فلن يخدم النقاش الديمقراطي ولن يساعد المواطن على اتخاذ موقف مبني على معرفة كاملة.
ومن يقف خلف المشهد؟
هنا تحديداً ينبغي التوقف عند السؤال الأكثر حساسية، دون القفز إلى الاستنتاجات:
هل اختيار توقيت بعض الاستضافات السياسية والإعلامية، وطريقة تناول بعض الملفات، مجرد صدفة إعلامية أم أن للسياق الانتخابي تأثيراً في ذلك؟
لا أحد يستطيع أن يجزم بوجود جهات تقف خلف هذا النوع من النقاش دون أدلة ومعطيات واضحة، ولذلك فإن الحديث عن “جهات مجهولة” يبقى مجرد احتمال لا يمكن تحويله إلى حقيقة صحفية.
لكن طرح السؤال في حد ذاته مشروع، لأن الانتخابات لا ينبغي أن تكون مناسبة لتصفية الحسابات الشخصية أو السياسية عبر المنابر الإعلامية، أياً كان الطرف المستهدف أو المستفيد.
كلمة أخيرة
رئيس المجلس الجماعي لتيزنيت، مثله مثل أي مسؤول منتخب، ليس فوق النقد، لكنه أيضاً ليس خارج قواعد الإنصاف.
والإعلام الذي يريد أن يمارس دوره الحقيقي لا يحتاج إلى كسر صورة مسؤول أو تحسينها، وإنما يحتاج إلى تقديم الوقائع كما هي، وطرح الأسئلة الصعبة على الجميع، وإتاحة حق الرد، وترك المواطن يحكم.
أما الانتخابات، فمكان حسمها الحقيقي هو صندوق الاقتراع، وليس الاستوديوهات ولا مواقع التواصل الاجتماعي ولا الحملات الإعلامية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المتلقي التيزنيتي:
هل نحن أمام نقاش إعلامي مهني حول حصيلة مسؤول منتخب، أم أمام بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي الذي قد يجد طريقه إلى المنابر الإعلامية قبل أن يصل إلى صناديق الاقتراع؟
السؤال مشروع، والإجابة لا ينبغي أن تكون بالتخمين، وإنما بالوقائع.




