مجتمع

تيزنيت.. لبيجي تضرب بقوة في أوكار المخدرات والمدينة تواجه شبح جيل مهدد بالضياع

تيزنيت – بقلم عابد أموسى، مراسل صحفي بجريدة الوطن بريس

 

في الوقت الذي تتواصل فيه التحولات التي تعرفها مدينة تيزنيت على أكثر من مستوى، تبرز إلى الواجهة ظاهرة مقلقة باتت تستدعي الكثير من الجدية واليقظة، وتتعلق بالانتشار المتزايد لترويج واستهلاك عدد من أنواع المخدرات، من الحشيش إلى ماء الحياة، وصولاً إلى أنواع أخرى من المواد المخدرة التي تجد طريقها، بشكل أو بآخر، إلى فئات مختلفة من المجتمع، وفي مقدمتها فئة الشباب.

 

وفي هذا السياق، تتحرك المصالح الأمنية المختصة، حيث وجهت لبيجي ضربات متتالية لعدد من مروجي المخدرات بمدينة تيزنيت، وأسفرت تدخلاتها عن الإطاحة بعدد من الأشخاص المشتبه في ارتباطهم بترويج الحشيش وماء الحياة ومخدرات أخرى.

 

هذه العمليات الأمنية، التي تحظى باهتمام واسع، لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية عدد الموقوفين أو المحجوزات، بل باعتبارها مؤشراً على ضرورة فتح نقاش أوسع حول الظاهرة، وأسباب تمددها، والفئات التي أصبحت مهددة بتداعياتها.

 

المشكل أكبر من مروج.. فمن يحمي الشباب من السقوط؟

 

إن توقيف المروجين ومحاربة شبكات الترويج تظل خطوة أساسية في مواجهة الظاهرة، غير أن السؤال الأعمق يبقى مطروحاً:

 

ماذا بعد توقيف المروج؟

 

فالمخدرات لا تدخل حياة الشباب دائماً من باب واحد، وإنما قد تجد طريقها عبر الفراغ، والهشاشة الاجتماعية، والبطالة، وضعف التأطير، والبحث عن الهروب من واقع صعب، إضافة إلى تأثير بعض المحيطات التي قد تجعل التعاطي يبدو، لدى فئات معينة، أمراً عادياً أو وسيلة للهروب من المشاكل.

 

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

 

فخلف كل شاب قد يسقط في الإدمان قصة تحتاج إلى فهم، وخلف كل فتاة قد تتورط في هذه الدائرة ظروف اجتماعية ونفسية تحتاج إلى معالجة، وليس فقط إلى المقاربة الزجرية.

 

شباب فاقد للمستقبل.. والفراغ قد يتحول إلى بوابة للمخدرات

 

من أخطر الأسئلة التي تطرح نفسها اليوم هو مستقبل شريحة من الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام واقع تغلب عليه البطالة والفراغ وغياب فرص حقيقية للإدماج.

 

الشاب الذي لا يرى أمامه مساراً واضحاً للدراسة أو التكوين أو العمل، والذي يقضي ساعات طويلة في الشارع دون تأطير أو نشاط، يصبح أكثر عرضة للتأثر بالمحيط.

 

وهنا لا يتعلق الأمر بتبرير التعاطي أو الترويج، وإنما بمحاولة فهم جذور المشكلة.

 

فمحاربة المخدرات تبدأ من الشارع، لكنها لا تنتهي عنده.

 

إنها معركة تبدأ من الأسرة، والمدرسة، ومؤسسات التكوين، والجمعيات الجادة، والرياضة، والثقافة، وفرص الشغل، إلى جانب الدور الأمني والقضائي.

 

فتيات في دائرة الخطر.. ظاهرة تستوجب الانتباه

 

ومن الجوانب التي تستحق بدورها الكثير من الاهتمام، وضعية بعض الفتيات اللواتي قد يجدن أنفسهن ضحايا لهذه الظاهرة، سواء من خلال الاستهلاك أو الاستغلال أو التأثير النفسي والاجتماعي المرتبط بالمخدرات.

 

والتعاطي مع هذه الحالات بمنطق العقوبة فقط قد لا يكون كافياً دائماً.

 

فهناك حالات تحتاج إلى المواكبة النفسية والاجتماعية، وإلى فضاءات آمنة للاستماع والتوجيه، وإلى برامج حقيقية للوقاية وإعادة الإدماج.

 

فالفتاة التي تسقط في براثن الإدمان لا تحتاج فقط إلى من يسألها: كيف وصلت إلى هنا؟

 

بل تحتاج أيضاً إلى من يسأل: لماذا وصلت إلى هنا؟ وكيف يمكن مساعدتها على العودة؟

 

حين تقترب المخدرات من أسوار المدرسة

 

الأكثر إثارة للقلق هو الحديث المتزايد عن محاولة تسلل هذه الظاهرة إلى محيط بعض المؤسسات التعليمية.

 

وهنا تصبح القضية أكثر خطورة، لأن الأمر يتعلق بفئة عمرية يفترض أن تكون منشغلة بالدراسة وبناء المستقبل، لا بمواجهة خطر المخدرات.

 

المدرسة يجب أن تظل فضاءً للتعلم والتربية وبناء الشخصية، ولذلك فإن أي محاولة لاستدراج التلاميذ نحو التعاطي أو الترويج تستوجب أعلى درجات اليقظة والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

 

والوقاية هنا تبدأ من داخل المؤسسة التعليمية، عبر تعزيز التحسيس، ورصد السلوكيات المقلقة، وتقوية أدوار الأطر التربوية والاجتماعية، وفتح قنوات آمنة للتبليغ والاستشارة، دون تحويل المدرسة إلى فضاء للخوف أو الوصم.

 

المقاربة الأمنية ضرورية.. لكنها ليست الحل الوحيد

 

لا أحد يمكنه التقليل من أهمية العمل الأمني في تفكيك شبكات الترويج، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستهداف الشباب أو محاولة الاقتراب من المؤسسات التعليمية.

 

لكن التجربة تؤكد أن الظواهر الاجتماعية المعقدة لا يمكن القضاء عليها بالأمن وحده.

 

المطلوب هو مقاربة متكاملة تجمع بين الردع والوقاية والعلاج وإعادة الإدماج.

 

وهذا يعني:

 

تكثيف الحملات الأمنية ضد مروجي المخدرات ومصادر الترويج.

 

تعزيز المراقبة بمحيط المؤسسات التعليمية، في إطار القانون.

 

إطلاق حملات تحسيسية منتظمة داخل المدارس والمؤسسات التكوينية.

 

توفير أخصائيين نفسيين واجتماعيين لمواكبة الحالات التي تحتاج إلى الدعم.

 

تقوية دور الأندية الرياضية والثقافية والشبابية.

 

خلق فضاءات حقيقية للشباب لقضاء أوقات الفراغ بشكل إيجابي.

 

دعم مشاريع التكوين المهني والإدماج الاقتصادي للشباب.

 

إشراك الأسر في برامج الوقاية والتوعية.

 

التعامل مع حالات الإدمان باعتبارها أيضاً مشكلة صحية واجتماعية تحتاج إلى العلاج وإعادة التأهيل.

 

دعم الجمعيات التي تشتغل بجدية في مجال الوقاية من الإدمان ومواكبة الشباب.

 

تيزنيت تحتاج إلى تحصين مستقبلها

 

إن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الحشيش أو ماء الحياة أو غيرهما من المخدرات.

 

المعركة الحقيقية هي ضد اليأس والفراغ والهشاشة الاجتماعية وغياب الأفق.

 

فكل شاب يتم إنقاذه من الإدمان هو مشروع حياة يتم إنقاذه، وكل فتاة يتم احتضانها ومساعدتها على تجاوز هذه الدائرة هي أسرة ومجتمع يتم إنقاذهما من تبعات قد تكون قاسية.

 

ولذلك، فإن الضربات الأمنية التي توجهها المصالح المختصة لمروجي المخدرات بمدينة تيزنيت يجب أن تكون مناسبة أيضاً لفتح نقاش مجتمعي جاد:

 

هل نكتفي بملاحقة المروجين، أم نبحث أيضاً عن الأسباب التي تجعل سوق المخدرات يجد زبناء جدد كل يوم؟

 

السؤال ليس اتهاماً لأي جهة، وإنما دعوة إلى تحمل المسؤولية الجماعية.

 

فتيزنيت، مثل غيرها من المدن، تحتاج اليوم إلى حماية شبابها قبل أن يتحول بعضهم إلى أرقام في ملفات المخدرات، وإلى حماية مدارسها قبل أن يصبح محيطها مجالاً للاستدراج، وإلى احتضان فتياتها وشبابها قبل أن يجدوا أنفسهم أمام مستقبل لم يختاروه.

 

المعركة الحقيقية ليست فقط إسقاط المروج… بل منع سقوط الضحية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى