اليوم العالمي للمسنين.. ندوة تضع الشيخوخة في صلب النقاش المجتمعي
«معاً... لمجتمع يحتضن كل الأعمار».. شعار يتجاوزالإحتفاء الرمزي ليطرح أسئلة الرعاية والإدماج وحماية كبار السن


بقلم : حنان قوتي
ـ في إطار الإحتفاء باليوم العالمي للمسنين، نظمت المديرية الإقليمية للتعاون الوطني بعمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، مساء يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، ندوة علمية احتضنها مركز عثمان بن عفان، تحت شعار: «معاً… لمجتمع يحتضن كل الأعمار»، وذلك بمشراكة عدد من المؤسسات والجمعيات الناشطة في المجالين الإجتماعي والصحي : المجلس العلمي المحلي، المنتدى الوطني جسور لرعاية المسنين، Coop Africaine Sunlife، جمعية الظل الوارف، جمعية مساندة داء السكري إلى جانب المديرية الإقليمية للتعاون الوطني ، ماعكس أهمية هذه الشراكة بين المؤسسات العمومية والمجتمع المدني في التعامل مع قضايا كبار السن من الرعاية إلى الإدماج.
ـ شكلت الندوة مناسبة لفتح نقاش جاد حول واقع كبار السن، والتحديات المرتبطة بمرحلة الشيخوخة، وسبل تعزيز مكانتهم داخل المجتمع، في ظل التحولات الإجتماعية والديموغرافية التي تجعل من قضية المسنين مسؤولية متزايدة الأهمية، لا يمكن إختزالها في الجانب الصحي أو في تقديم المساعدة الظرفية.
كما لم تقتصر أشغال الندوة على الجانب الصحي، بل تعددت المداخلات لتشمل الأبعاد الاجتماعية والإنسانية والدينية، في مقاربة تسعى إلى النظر إلى المسن باعتباره إنساناً له حقوق وحاجات وطموحات، وليس مجرد شخص يحتاج إلى الرعاية.
في هذا السياق، ركزت مداخلات المجلس العلمي المحلي على البعد القيمي والإنساني في التعامل مع كبار السن، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من النسيج المجتمعي، وحاملي ذاكرة وتجارب وقيم تشكل جزءاً من تاريخ المجتمع.
كما استعرضت الجمعيات المشاركة تجاربها الميدانية في مواكبة المسنين، سواء من خلال المبادرات الصحية، خصوصاً ما يرتبط بالأمراض المزمنة مثل داء السكري وارتفاع الضغط ، أو عبر برامج الدعم والمواكبة الإجتماعية ومحاربة العزلة وتشجيع كبار السن على الحفاظ على حضورهم داخل الحياة العامة.
وتبرز هذه التجارب أن العناية بالمسن لا ينبغي أن تتوقف عند حدود العلاج أو المساعدة الإجتماعية، بل يجب أن تمتد إلى توفير الظروف التي تمكنه من العيش بكرامة، والحفاظ على استقلاليته، ومواصلة التفاعل مع محيطه الإجتماعي.
فبالرغم من أهمية مثل هذه اللقاءات في رفع مستوى الوعي وتسليط الضوء على قضايا الشيخوخة، إلا أنها تفتح في المقابل سؤالاً أوسع: هل يكفي تنظيم الندوات والإحتفاء بالمناسبات الدولية لإحداث تغيير ملموس ومستدام في حياة كبار السن؟
السؤال هنا لا ينتقص من قيمة المبادرات، بل يضعها في سياقها الطبيعي، باعتبارها نقطة انطلاق نحو سياسات وبرامج أكثر استدامة . فالشعار الذي أُخٔتِيرَ للندوة، «معاً… لمجتمع يحتضن كل الأعمار»، يحمل رؤية شمولية تتطلب ترجمة عملية على أرض الواقع، من خلال سياسات عمومية تضع كبار السن ضمن أولوياتها، وتمنحهم ما يستحقونه من اهتمام ومواكبة وإدماج . لأن الإهتمام لا ينبغي أن يتحول إلى نشاط موسمي مرتبط باليوم العالمي للمسنين، وإنما إلى ورش مستمر يشارك فيه القطاع العام والجماعات الترابية والمجتمع المدني والأسر، كل من موقعه ومسؤوليته.
ومن أبرز الرسائل التي تفرض نفسها في هذا النقاش أن المسنين ليسوا مجرد فئة عمرية تُعتبر عبئا و تحتاج إلى الرعاية، بل يمثلون خزاناً للخبرة والتجربة والذاكرة الجماعية.
وإذا كان المجتمع الحديث يولي أهمية كبيرة للإستثمار في الأجيال الصاعدة، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب الأجيال التي ساهمت لعقود في بناء المجتمع وتكوين أسره ومؤسساته والحفاظ على قيمه.
من هنا تبرز أهمية خلق فضاءات تسمح لكبار السن بالمشاركة في الأنشطة الثقافية والإجتماعية والفنية، وتشجع التواصل بينهم وبين الأجيال الشابة، بما يساهم في نقل التجارب وتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية . كما أن محاربة العزلة الإجتماعية تظل من أهم التحديات، لأن احتياجات المسن لا ترتبط دائماً بالدواء أو المساعدة المادية، بل تشمل أيضاً الحاجة إلى التواصل والإحترام والشعور بالإنتماء والحضور نحو رؤية أكثر شمولاً.
إن النقاش الذي فتحته هذه الندوة يفرض التفكير في الإنتقال من المبادرات المتفرقة إلى رؤية وطنية متكاملة لرعاية كبار السن وإدماجهم تقوم على عدة مرتكزات، من بينها تطوير برامج صحية متخصصة تراعي خصوصية المرحلة العمرية والأمراض المزمنة، وتعزيز الدعم النفسي والإجتماعي، ومحاربة العزلة، إلى جانب توفير فضاءات آمنة للأنشطة الثقافية والترفيهية والإجتماعية.كما يظل توفير ظروف سكن ملائم وآمن، وتيسير الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتعزيز حماية المسنين الذين يعيشون أوضاعاً اجتماعية هشة،في المقابل يظل هذا الملف من بين الملفات الذي يستدعي مزيداً من الإهتمام، و تبقى الأسرة والمجتمع المدني شريكين أساسيين في هذه المعادلة، بالنظر إلى أن حماية كرامة المسن وإدماجه ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، وإنما مسؤولية جماعية تتطلب وعياً مجتمعياً متجدداً. و الإحتفاء الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المناسبة .
ـ لقد نجحت الندوة المنظمة بمركز عثمان بن عفان في إعادة قضية المسنين إلى واجهة النقاش، وجمعت مؤسسات وفاعلين مدنيين حول هدف مشترك عنوانه التضامن بين الأجيال.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة ستتجسد في مدى قدرتها على تحويل النقاش إلى مبادرات مستمرة، وعلى جعل شعار «معاً… لمجتمع يحتضن كل الأعمار» ممارسة يومية وليس مجرد شعار يرفع في مناسبة سنوية.
فاليوم العالمي للمسنين ينبغي ألا يكون مجرد محطة للإحتفاء، بل فرصة لتقييم واقع هذه الفئة، ورصد إحتياجاتها، ومساءلة السياسات والبرامج الموجهة إليها، والبحث عن حلول عملية تضمن لها حياة أكثر أمناً وكرامة واندماجاً.فالمجتمع الذي يحسن رعاية كبار سنه لا يحافظ فقط على أفراده، بل يحافظ على ذاكرته وقيمه وتاريخه.
والإهتمام بالمسن ليس إحساناً، وإنما تعبير عن مستوى وعي المجتمع بإنسانيته ومسؤوليته تجاه جميع أجياله.




