الخطاب الملكي وملامح المنعطف الإستراتيجي الجديد: من مركزية القرار إلى فعالية المجال

بقلم : الدكتور جمال العزيز
شكل الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، إعلانا سياسيا واستراتيجيا عن طبيعة التحول الذي ينتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، وعن الشروط الضرورية للإنتقال من تراكم الإصلاحات والمشاريع الكبرى إلى تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي وترابي مستدام.
إن القراءة المتأنية، تكشف عن رؤية ملكية تستشرف موقع المغرب في عالم يعاد تشكيل توازناته الإقتصادية والجيوسياسية، وتضع في الوقت نفسه النخب السياسية والمؤسسات المنتخبة والإدارة الترابية والقطاع الخاص أمام مسؤوليات كبيرة.
إن الحكومة المقبلة والبرلمان أمام اختبار حقيقي ، والثقة التي منحها المواطن عبر صناديق الاقتراع يجب أن تتحول إلى تعاقد سياسي وأخلاقي متجدد، أساسه الوفاء بالإلتزامات وتحمل المسؤولية.
كما أكد جلالته نصره الله على العمل الميداني على المستوى الترابي، باعتباره مجالا لإنتاج الحلول وتحديد الأولويات وتقييم السياسات.
إن الرهان الترابي أصبح اليوم أحد المفاتيح الأساسية لفهم المرحلة المقبلة. فالمغرب يواجه إشكالات مرتبطة بتعدد المتدخلين، وتداخل الإختصاصات، وبطء المساطر، وضعف التنسيق بين المصالح المركزية واللاممركزة والجماعات الترابية.
ومن هنا تكتسب الدعوة الملكية إلى التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري أهمية سياسية ومؤسساتية بالغة. إذ لا يمكن تصور جهوية متقدمة وفعالة في ظل استمرار تمركز القرار الإداري والمالي، كما لا يمكن مطالبة الجهات والجماعات الترابية بتحقيق نتائج تنموية كبرى دون تمكينها من الوسائل البشرية والمالية والمؤسساتية الضرورية.
إن التجربة الترابية، بما فيها تجارب المدن الكبرى مثل أكادير، تؤكد أن نجاح برامج العمل يرتبط أساسا بوضوح الحكامة، وفعالية التنسيق، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على تجاوز التعقيدات الإدارية التي قد تؤخر إنجاز مشاريع ينتظرها المواطنون.
أما على المستوى الإقتصادي، فقد حمل الخطاب الملكي توجها استراتيجيا مباشرا، من خلال الدعوة إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والإقتصاد الرقمي و الذكاء الإصطناعي.
وفي هذا الإطار، نذكر مجددا بأهمية الإبتكار المفتوح في النموذج التنموي، باعتباره آلية لتعبئة الذكاء الجماعي، وربط البحث العلمي بحاجيات الإقتصاد والمجتمع، وتجاوز الحدود التقليدية بين الفاعلين العموميين والخواص.
وفي مقابل هذا الطموح الإقتصادي، جاء التركيز على الشباب ، الذي يحتاج إلى أفق اجتماعي واقتصادي واضح، يشعر من خلاله بأن الكفاءة والإستحقاق تفتح أمامه إمكانات حقيقية للإرتقاء الإجتماعي.
وهنا تتمثل مسؤولية الدولة والأحزاب السياسية والجامعة والمقاولة والمجتمع المدني في إعادة بناء جسور الثقة بين المواطنات والمواطنين والمؤسسات، عبر سياسات عمومية منسجمة، ومبادرات عملية لدعم المقاولة الشبابية، وتوسيع المشاركة في تدبير الشأن العام، وتقوية الوساطة السياسية والمؤسساتية.
إن تأكيد جلالة الملك نصره الله على الطابع السيادي للشراكات الدولية، والدعوة إلى تجاوز النماذج المتقادمة يعكس انتقالا في المقاربة الجيوسياسية، بإعادة تعريف قواعد التعاون على أساس المسؤولية المتبادلة والمصالح المشتركة.
يؤسس جلالة الملك نصره الله لمرحلة يمكن وصفها بمرحلة المسؤولية التنموية المتقدمة، يصبح فيها معيار النجاح هو القدرة على التنفيذ، و الأثر، وتحقيق الإلتقائية بين القرار المركزي والمبادرة الترابية، وبين النمو الإقتصادي والإنصاف الإجتماعي.
وسيكون من المفيد، في هذا الإطار، أن تتحول التوجيهات الإستراتيجية إلى إرساء آليات فعلية لتتبع الإنجاز وتصحيح الإنحرافات.
إن المسؤولية التاريخية التي ينبغي أن تستوعبها النخب السياسية والمؤسساتية، تكمن في الـوفاء للوطن، والإنتصار للمصلحة العامة، والإنخراط الواعي في الرؤية الملكية لمغرب قوي بمؤسساته، ومعتز بهويته وسيادته.




