مجتمع

موسم سيدي بوعبدلي بإقليم تيزنيت.. تظاهرة دينية وتجارية تتوسع، والتنظيم مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمجتمع المدني

 

بقلم عابد أموسى – مراسل صحفي بجريدة الوطن بريس

 

مع كل دورة جديدة، يواصل الموسم الديني والتجاري لسيدي بوعبدلي بإقليم تيزنيت استقطاب الزوار والتجار والوافدين من مناطق مختلفة، في مشهد يعكس المكانة التي يحتلها هذا الموعد في الذاكرة المحلية، باعتباره مناسبة تجمع بين الأبعاد الدينية والاجتماعية والتجارية، وتمنح المنطقة حركية خاصة خلال أيام انعقاده.

 

ومع اتساع الإقبال وتزايد الأنشطة المصاحبة للموسم، تبرز أهمية تطوير آليات التنظيم والتنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن مرور التظاهرة في ظروف ملائمة، ويحافظ على سلامة الزوار وانسيابية حركة السير، ويصون الطابع الديني والتجاري للمناسبة.

 

فنجاح الموسم لا يرتبط فقط بحجم الإقبال أو عدد الأنشطة التجارية، بل يقاس أيضاً بمدى جودة التنظيم، ووضوح المسؤوليات، والقدرة على تدبير مختلف الإكراهات التي قد ترافق توافد أعداد كبيرة من المواطنين.

 

المجلس الجماعي.. مسؤولية التدبير والمواكبة

 

يشكل المجلس الجماعي المعني أحد المتدخلين الأساسيين في الجوانب المرتبطة باختصاصاته القانونية، سواء تعلق الأمر بتدبير المرافق الجماعية، أو تنظيم الأنشطة التجارية في حدود صلاحياته، أو المساهمة في توفير الشروط الملائمة لاستقبال الزوار.

 

ومع تطور الموسم واتساع حاجياته التنظيمية، تبرز أهمية اعتماد تصور استباقي يأخذ بعين الاعتبار أماكن عرض السلع، وتنظيم الفضاءات المخصصة للتجار، والنظافة وجمع النفايات، وتوفير المرافق الضرورية، إلى جانب التنسيق بشأن حركة السير والوقوف في محيط التظاهرة.

 

كما أن التواصل المبكر مع التجار والمهنيين والجهات المعنية من شأنه الحد من مظاهر العشوائية، وتفادي تضارب الاختصاصات، وضمان توزيع واضح للأدوار والمسؤوليات.

 

ويبقى التحدي المطروح هو الانتقال من التدبير المرتبط بأيام الموسم فقط إلى رؤية تنظيمية متكاملة، تستحضر خصوصية المنطقة ومكانة المناسبة، وتعمل على تطويرها دورة بعد أخرى.

 

جمعيات المجتمع المدني.. شريك في التنظيم والتوعية

 

لا يمكن الحديث عن موسم ذي امتداد ديني واجتماعي وتجاري دون التوقف عند دور جمعيات المجتمع المدني، التي يمكن أن تضطلع بوظائف مهمة في التحسيس والتوعية، واستقبال الزوار وإرشادهم، والمساهمة في المبادرات التطوعية المرتبطة بالنظافة والمحافظة على البيئة وتنظيم بعض الأنشطة الثقافية والاجتماعية.

 

وتشكل الجمعيات المحلية، بحكم قربها من الساكنة ومعرفتها بخصوصيات المنطقة، جسراً للتواصل بين المواطنين والجهات المنظمة، كما يمكنها المساهمة في رصد الإكراهات التي تواجه الزوار والتجار، واقتراح حلول عملية بشأنها.

 

غير أن تفعيل هذا الدور يقتضي وضوحاً في المهام، وتنسيقاً مسبقاً مع الجهات المختصة، واحتراماً للاختصاصات القانونية، حتى تكون المشاركة الجمعوية إضافة نوعية للتنظيم وليست مجرد حضور مناسباتي.

 

ومن شأن إشراك الفاعلين المدنيين في الإعداد للموسم وتقييم نتائجه بعد انتهائه أن يساعد على تراكم الخبرة التنظيمية، وتطوير المبادرات التي تخدم الساكنة والزوار على حد سواء.

 

السلطة المحلية والدرك الملكي.. الأمن وانسيابية الحركة

 

في تظاهرة تعرف توافد الزوار والتجار، تكتسي مسؤولية السلطات المحلية والمصالح الأمنية أهمية خاصة، كل حسب اختصاصاته ومهامه القانونية.

 

فالسلطة المحلية تضطلع بأدوار مرتبطة بالتنسيق والتدبير الترابي ومواكبة الترتيبات التنظيمية، بتعاون مع الجماعة وباقي المتدخلين، بما يساعد على الاستعداد المسبق للاحتياجات المرتبطة بالتظاهرة ومعالجة الإكراهات التي قد تظهر خلال انعقادها.

 

أما مصالح الدرك الملكي، فيرتبط دورها، وفق الاختصاصات المخولة لها، بالمساهمة في حفظ النظام العام والسلامة، ومراقبة حركة السير والجولان، والتدخل عند الضرورة وفق القانون، بما يضمن حماية المواطنين وتيسير تنقلهم في محيط الموسم والطرق المؤدية إليه.

 

وتزداد أهمية التنسيق الميداني كلما ارتفع حجم الإقبال، خصوصاً في ما يتعلق بتدبير نقاط الازدحام، وتنظيم الوقوف، وتيسير مرور سيارات الإسعاف ومركبات التدخل عند الحاجة، مع الحرص على احترام حقوق المواطنين وتطبيق القانون على الجميع.

 

وفي هذا السياق، فإن وضوح الإجراءات وتواصل الجهات المعنية مع الزوار والتجار من شأنهما تعزيز الثقة وتفادي سوء الفهم، فضلاً عن تمكين المواطنين من معرفة الترتيبات التنظيمية المعتمدة خلال الموسم.

 

من نجاح المناسبة إلى استدامة التنظيم

 

إن التطور الذي يعرفه موسم سيدي بوعبدلي يطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن مواكبة تزايد الإقبال بإجراءات تنظيمية أكثر وضوحاً وفعالية، دون المساس بالخصوصية الدينية والاجتماعية والتجارية لهذا الموعد؟

 

قد يكون من المفيد اعتماد اجتماعات تنسيقية قبل كل دورة، تضم الجماعة والسلطات المحلية والمصالح الأمنية والجمعيات المعنية وممثلي التجار، مع تحديد المهام ونقاط التدخل وآليات التواصل، ثم إجراء تقييم بعد انتهاء الموسم لتحديد مكامن القوة والنواقص.

 

كما أن إعداد تصور تنظيمي مكتوب، يتضمن توزيع الفضاءات التجارية، ومسارات الدخول والخروج، وتدابير النظافة والسلامة، وخطة تدبير حركة المرور، من شأنه أن يساعد على تفادي الارتجال وتحسين ظروف استقبال الزوار.

 

ولا يتعلق الأمر بتحميل جهة بعينها مسؤولية التنظيم، بل بإرساء تعاون عملي بين مختلف المتدخلين، على أساس احترام الاختصاصات القانونية وربط المسؤوليات بالمهام المحددة لكل طرف.

 

موسم سيدي بوعبدلي.. ذاكرة محلية تستحق تنظيماً يواكب مكانتها

 

يظل موسم سيدي بوعبدلي مناسبة ذات أبعاد دينية واجتماعية وتجارية، وفرصة لتعزيز الروابط بين أبناء المنطقة والوافدين إليها، وتنشيط الحركة التجارية المحلية. غير أن الحفاظ على هذه المكانة يقتضي مواكبة تطور الموسم برؤية تنظيمية تتجاوز التدخل الظرفي نحو التخطيط والتنسيق والتقييم المستمر.

 

فالمطلوب ليس فقط أن يمر الموسم في أجواء جيدة، بل أن تتحول كل دورة إلى فرصة لتطوير التنظيم، وتحسين الخدمات، وتثمين مساهمة المجتمع المدني، وتعزيز التنسيق بين الجماعة والسلطات المحلية والدرك الملكي وباقي المتدخلين.

 

إن نجاح موسم سيدي بوعبدلي مسؤولية مشتركة، عنوانها وضوح الأدوار، واحترام القانون، وحماية الزوار، وصون الطابع الديني والاجتماعي للمناسبة. وهي مسؤولية لا تقاس بالشعارات، وإنما بما يلمسه المواطن والتاجر والزائر على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى