مجتمع

مظاهر حب المغاربة للجناب النبوي الشريف

 

بقلم  : الدكتور يوسف الحزيمري

 

منذ أن دخل الإسلام المغرب وتأسيس أول دولة به (الدولة الإدريسية)، والمغاربة يكنون عظيم المحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام، وأهل بيته الأطهار، وظهرت آثار تلك المحبة في حياتهم اليومية، وامتزجت بأوضاعهم الاجتماعية، وورث تلك المحبة الخلف عن السلف، وحتى يومنا هذا ما زالت تلك الآثار ظاهرة على المجتمع المغربي عامتهم وخاصتهم، فعلى المستوى الشعبي يمكن رصد مجموعة من المظاهر منها: التسمية باسمه الشريف “محمد” امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: “تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي”، فما من أسرة كبيرة أو صغيرة إلا وهي تضم شخصا يسمى محمدا وذلك أظهر من أن يستدل عليه بكتب التراجم قديما أو كنانيش الحالة المدنية حديثا، وقد تجد الرجل يسمى بمحمد وأبوه محمد وجده محمد وهكذا. وكذلك نجدهم يسمون فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة، و بسبطيه الحسن والحسين.

ومن المظاهر الشعبية أيضا ما يمتثل في التراث الشعبي من الأمثال، والأقوال المأثورة عن الكبار المتعلقة بالجناب النبوي تشريفا وتعظيما، وكذا الأدعية التي يدعو بها المغاربة لبعضهم البعض مثل: (الله يرزقك حجة وزيارة قبر النبي)، و(الله يشربك من حوض النبي) وغيرها كثير.

وأيضا الأهازيج والأمداح والأناشيد التي تحضر وتنشد في المناسبات من عقيقة وختان وزواج، وفي المناسبات الدينية كلها، فشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم حاضرة بقوة في المجتمع المغربي.

وهناك مظهر آخر يختص بالمعاملات وهو مظهر التحبيس أو الوقف، بحيث يعمد المغاربة إلى تحبيس أموالهم على المساجد ويخصونها بقراءة كتب السنة ككتاب الشمائل للترمذي، أو كتب السيرة كالشفا للقاضي عياض، أو قصائد المديح كالبردة للبوصيري.

أما على المستوى العلمي فقد اعتنى المغاربة بسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم رواية ودراية وشرحا، فاهتموا برواية سنته بالرحلة إلى المشرق وطلب الإسناد العالي فيها، ودونك كتب الفهارس والإجازات تنبيك عن ذلك، وشرحوا كتب السنة الشهيرة كالموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم ومما جاء في “منصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف” أن المغاربة فتحوا قلوبهم للإسلام، بعد أن فتحوا بيوتهم للداعين إليه، فانبرت ثلة مباركة من نجبائهم للرحلة إلى مهبط الوحي، ومقر التشريع، يهتبلون من بركات الدوحة النبوية، تلقيا وحفظا وتقييدا؛ فرجعوا بعلم جم، أودعوه تصانيفهم، وأملوه في مجالسهم، ينهل طارفهم من تالدهم، فأينعت خزانات الكتب بأنواع التآليف؛ ما بين الأمالي، والمصنفات، والشروح، والتعليقات، والمختصرات، وغيرها” ولمن أراد الوقوف على ذلك ينظر كتاب “تراث المغاربة في الحديث النبوي وعلومه” لمحمد بن عبد الله التليدي، ونقده للعلامة محمد بوخبزة رحمه الله.

ومن تلكم العناية أيضا التأليف في سيرته وخصائصه وأسمائه ومعجزاته صلى الله عليه وسلم ومن أشهر كتب المغاربة في ذلك كتاب “الروض الأنف في شرح السيرة النبوية” لعبد الرحمن السهيلى أبو القاسم، و”الشفا في التعريف بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم” للقاضي عياض السبتي وهما كتابان سارت بهما الركبان وانتشرا في بلاد الإسلام، ولمن أراد التوسع في هذا المظهر فدونه كتاب”المصنفات المغربية في السيرة النبوية” لمحمد يسف رئيس المجلس العلمي الأعلى.

ومن مظاهر حب المغاربة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في مضمار القريض: الثناء عليه في مطالع المنظومات التعليمية في جميع العلوم والفنون، والشوق إلى زيارة المقام النبوي في المدينة (كتب الرحلات)، ونظم قصائد ومقصورات في مدحه، منها: مقصورة العلامة المكودي في السيرة النبوية، ومولدية أبي عبد الله أكنسوس، وقصيدة ميمون الخطابي، وقصيدة عبد العزيز الفشتالي، ومن الشعراء المعاصرين الذين مدحوه أذكر:محمد الحلوي، وأمينة المريني.

وهناك أجناس أدبية كثيرة في التعريف بالمصطفى وبيان علو قدره وبيان جميل شمائله، والشوق إلى زيارة قبره ومسجده، مثل المولديات والتصليات والحجازيات والنعليات وغيرها.

ولمن تمكن من الرجوع إلى كتاب “النبوغ المغربي” للشيخ “عبد الله كنون” يجده زاخرا بنصوص في الموضوع.

وهناك مظهر آخر يبين حب المغاربة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي سنة “المجاورة” أي مجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته ومسجده انقطاعا للعِبادة مع طلَب العِلم الشريف، تقول د. “نجلاء سامي النبراوي”: و”كان المغاربة والأندلسيُّون ممَّن قدَّروا أهميَّةَ الجوار وفضلَه؛ فهم أقدر النَّاس على الشعور بهذا الفضل؛ لِما لاقَوْه من مَخاطرَ جسيمة، وما تجشَّموه من متاعبَ انتهت بوصولهم إلى تلك البقاع الطَّاهرة، وكما قال لسان الدين بن الخطيب:

جوارُ رسولِ الله مجد مؤثَّلٌ ♦♦♦ وقد يدرِك المجدَ المؤثَّلَ أمثالي”

وقد جاور العلماء المغاربة والأندلسيون الحرمين الشريفين وكان حضورهم العلمي على مستوى المؤسسات العلمية والوظائف الدينية بارزا.

وعموما فمظاهر حب المغاربة للمصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرة تند عن الحصر، وحَسْبُك الرجوع إلى الدراسات الحديثة في الموضوع ومنها ما أشرنا إليه آنفا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى