مجتمع

هزيمة الجزائر : أخلاقية قبل أن تكون رياضية 

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

شهدت القارة الأفريقية مطلع الستينيات صراعا حادا بين القوى الاستعمارية والأنظمة الوظيفية التابعة لها من جهة، وبين المد التحرري الصاعد من جهة أخرى، حيث سعت القوى الدولية لمحاصرة “مجموعة الدار البيضاء” بقيادة بطل التحرير جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه ، التي مثلت تكتلا سياديا يرفض التبعية ويطالب بالاستقلال الكامل للقرار الأفريقي. وفي خضم هذه التجاذبات، برز الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا كهدف رئيسي لعمليات التضييق السياسي واللوجستي، الرامية لتقويض حكومته الناشئة ومنع تمدد الفكر التحرري في عمق القارة. وبموازاة ذلك، واجهت الحكومة الكونغولية الناشئة، فور إعلان الاستقلال، أزمات وجودية هددت كيان الدولة وتماسكها؛ إذ اندلعت حركات تمرد وانفصال مدعومة من الخارج في أقاليم غنية بالموارد، مما أدخل البلاد في دوامة من الفوضى الأمنية والمؤامرات الدولية.

 

وفي ظل هذا الحصار المطبق، برزت واقعة الطائرة لتكشف عمق التضامن المغربي؛ فبينما كان لومومبا في زيارة للرباط عقب عودته من الولايات المتحدة، قرر الاتحاد السوفيتي سحب طائرته التي كانت مخصصة لتنقلاته بشكل مفاجئ ودون تنسيق مسبق، وذلك ردا على تمسك باتريس لومومبا بإستقلالية القرار السيادي لجمهورية الكونكو ورفضه التبعية الأيديولوجية بقوله: “أنا لست شيوعياً ولا رأسمالياً، أنا أفريقي أبحث عن مصلحة بلادي”. وأمام هذا الموقف الذي استهدف شل حركة لومومبا دوليا، تدخل الملك محمد الخامس بشكل فوري وحاسم، واضعاً تحت تصرفه طائرة ملكية من نوع Douglas DC-4 بطاقم مغربي كامل. حيث تكتسي هذه المبادرة أهمية استثنائية بالنظر إلى أن الأسطول الجوي الرسمي للمملكة المغربية في ذلك الوقت كان محدودا جداً ولا يتوفر سوى على طائرتين فقط، إلا أن المغرب آثر تخصيص نصف إمكاناته الجوية السيادية لخدمة الزعيم الكونغولي وقضيته العادلة.

 

تُعد شهادة السفير الراحل أحمد السنوسي، الذي شغل منصب الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، وثيقة تاريخية حاسمة في فهم أبعاد الدعم المغربي لباتريس لومومبا. فبحكم موقعه الدبلوماسي الرفيع كأحد مؤسسي الديبلوماسية المغربية الحديثة كان همزة وصل استراتيجية بين المملكة المغربية مع حركات التحرر في العمق الإفريقي، حيث كان السنوسي بأمر من الملك محمد الخامس مرافقا شخصيا للزعيم الكونغولي في جولات شملت 11 دولة أفريقية لتأمين الدعم الإفريقي لقضايا الكونغو ، حيث تبرز التفاصيل أن لومومبا، تقديرا لخبرة السفير السنوسي وثقةً في الدعم المغربي، كان يمنحه صفات رسمية كمدير لديوان الرئاسة أو نائبا لوزير الخارجية لتمكينه من حضور الاجتماعات السيادية المغلقة والمشاركة في رسم التحركات السياسية للكونغو الناشئة. كما وثّقت شهادته كيف تكفل المغرب بكامل المصاريف التشغيلية وفواتير وقود الطائرة الملكية عبر المطارات الأفريقية، وهو ما عكس التزاما مغربيا تجاوز الدعم الدبلوماسي إلى الدعم اللوجستي والميداني الكامل لضمان وصول صوت لومومبا إلى قادة القارة.

 

ولم يقتصر هذا الوفاء على الدعم اللوجستي، بل امتد ليشمل أبعادا رمزية وإنسانية؛ فقد وشح الملك محمد الخامس باتريس لومومبا بالحمالة الكبرى لوسام العرش، كما استمرت الرعاية المعنوية و المادية لعائلته بعد رحيله، إذ استقبل المغرب أرملته بولين لومومبا وأبناءه، ووفر لهم الحماية والتعليم في مدارس الرباط. حيث يصف نجل الزعيم الراحل، فرانسوا لومومبا، المغرب في شهاداته بـ “الوطن الثاني” والملك محمد الخامس بـ “الأب الروحي” الذي آوى العائلة في أصعب الظروف. واليوم، تظل أسماء لومومبا في شوارع الرباط والدار البيضاء شاهدا حيا على حقبة تاريخية اختار فيها المغرب، رغم محدودية موارده آنذاك، الوقوف بشكل مسؤول في خندق التحرر والسيادة الأفريقية دفاعا عن الوحدة الترابية للجمهورية الكونكو الشقيقة .

 

أثمرت هذه الملحمة علاقات ثنائية بأبعاد استراتيجية عميقة، انتقلت من الدعم العاطفي إلى الشراكة المصيرية الهادفة لحماية الوحدة الترابية لجمهورية الكونغو الشقيقة. ووضع هذا التضامن المبكر ركائز “عقيدة الرباط” في التعامل مع الأزمات الأفريقية، والمستندة إلى احترام سيادة الدول وصون وحدتها، وهو ما جسده المغرب تاريخيا عبر مشاركة وازنة في قوات حفظ السلام الأممية بالكونغو خلال محطات مفصلية. ونهجت هذه الشراكة رؤية استشرافية جعلت من الدفاع عن استقرار كينشاسا جزءا أصيلا من الدفاع عن الأمن القومي الأفريقي، مما منح المغرب مكانة الحليف الموثوق والثابت في مواقفه أمام تقلبات الظروف الدولية. وفي مقابل هذا الوفاء التاريخي، جسدت جمهورية الكونغو الديمقراطية موقفا سياسيا مسؤولا يعكس متانة هذه الروابط من خلال افتتاح قنصلية عامة لها في مدينة الداخلة بالصحراء المغربية، في خطوة سيادية تؤكد دعمها الصريح للوحدة الترابية للمملكة، وتتوج عقودا من التضامن المتبادل والدفاع المشترك عن سيادة الأوطان.

 

وفي هذا السياق، تظهر شخصية المشجع الكونغولي الشهير “فرانسوا كوكا” كجسر يربط الحاضر بالماضي النضالي للقارة؛ حيث يعتمد في تشجيعه لمنتخب بلاده على استحضار مبادئ الزعيم التحرري “باتريس لومومبا” عبر تقمص شخصيته. وقد اكتسب شهرته الواسعة بسبب هيئته التي يحاكي فيها بدقة ملامح ونظارات ووقفة الزعيم الراحل باتريس لومومبا، معتمدا على الكاريزما والشبه الكبير بينهما لبعث رسائل الوحدة والسيادة الأفريقية. حيث يبرز “كوكا” في الملاعب مقلدا وضعية وقوف تمثال لومومبا المنتصب في قلب العاصمة كينشاسا، محولا مدرجات كرة القدم إلى منصة لاستعادة الذاكرة الأفريقية المشتركة.

 

هنا تشكل الإساءة التي تعرض لها هذا المشجع من طرف اللاعب الجزائري “عمورة” سلوكا يتجاوز الفرد ليمس الإرث الذي يمثله؛ ففي وقت يقدر فيه هذا المشجع روح لومومبا وقيم التحرر التي احتضنها المغرب تاريخيا، يعكس رد الفعل الجزائري بونا شاسعا بين احترام الرموز الأفريقية وبين استهدافها في لحظة ناتجة عن عجز كروي وأخلاقي. ويجسد اللاعب عمورة في هذا الموقف عقلية تعرضت لعمليات تدجين وغسيل دماغ ممنهج عبر عقود من الشحن العدائي، مما أنتج وعيا مشوها يرى في الرموز التحررية الأفريقية هدفا للتطاول عوض أن تكون مصدرا للإلهام، في محاولة بائسة لتعويض الانكسار الميداني بتعالٍ زائف.

 

يأتي استحضار هذه الذاكرة التاريخية مع مغادرة المنتخب الجزائري للمنافسات الأفريقية أمام نظيره النيجيري، فقد انتقل المشهد من رقعة الميدان إلى وحل السلوكيات التي تجاوزت حدود الحدث الرياضي، حيث سارعت الآلة الإعلامية الجزائرية إلى تفعيل أدوارها المعهودة في خدمة الأجندة البومدينية. وتجسد هذا المسار في استغلال حفيظ الدراجي لمنصات “بي ان سبورت” القطرية كفضاء مفتوح لمهاجمة التنظيم المغربي لبطولة “الكان”، وتوجيه اللمز والتشكيك في الحكامة الرياضية داخل المستطيل الأخضر. ويكشف هذا السقوط الإعلامي عن تحويل المنافسة الرياضية إلى أداة لتصريف الانكسارات الداخلية واستهداف النموذج المغربي، عبر خطاب يفتقر للعمق الأفريقي الأصيل ويرتهن لمناورات سياسية هدفها طمس حقائق التاريخ والجغرافيا، وهو ما يفتح الباب واسعا لرصد الكيفية التي تحول بها الإعلام الجزائري إلى مجرد صدى لمشروع بومديني عفا عليه الزمن، بعيدا عن قيم الأخوة والمصداقية المهنية.

 

حيث يكشف هذا الارتهان الإعلامي عن استمرارية ميكانيكية للعقيدة الصدامية مع دول الجوار التي جعلت من معاداة المصالح المغربية حجر زاوية في صياغة الخبر وتوجيه الرأي العام. فبدلا من ممارسة الدور المهني في نقد أداء المنتخب أو تحليل أسباب الهزيمة الرياضية، انبرى الإعلام الجزائري، بمختلف قنواته ومنصاته الرقمية، في ممارسة إستراتيجية “الهروب إلى الأمام” عبر اختلاق عدو خارجي وتوجيه أصابع الاتهام لـ “الكواليس” المغربية، في محاولة يائسة لتغطية الفشل الهيكلي الذي يعانيه القطاع الرياضي والإداري هناك.

 

وتجسد حالة حفيظ الدراجي نموذجا لهذا الانحدار؛ حيث تحولت الميكروفونات التي يفترض أنها ملك للمشاهد العربي والقاري إلى أدوات للتحريض واللمز السياسي. فمنذ انطلاق البطولة، لم يتوقف عن بث رسائل التشكيك في نزاهة الحكامة الرياضية المغربية، مستخدما لغة مشحونة برواسب الحرب الباردة، وهي ذات اللغة التي كانت تُستخدم في السبعينيات لتسويق الأوهام القومية تحت غطاء “المد الثوري”. هذا السلوك لم يقتصر على الوجوه الفردية، بل تحول إلى “بروتوكول تحريري” في كبريات الصحف والبرامج الحوارية الجزائرية التي تركت تحليل التكتيك الكروي وتفرغت لتحليل “المؤامرة المزعومة”، مما جعل الإعلام هناك ينفصل كلياً عن الواقع الأفريقي الجديد الذي يقدر العمل والنجاح التنظيمي.

 

هذا السقوط في وحل الأجندة السياسية يعكس بلاشك أزمة عميقة في “الهوية الإعلامية”، حيث يجد الصحفي نفسه مجبرا على العمل كمرتزق في فيلق “بومديني” يقتات على التفرقة، عوض أن يكون جسرا للتواصل حيث يظل جزء كبير من الإعلام الجزائري سجيناً لنظرية “المؤامرة” التي عفا عليها الزمن، مصدرا لخطاب الكراهية الذي لا يحصد في النهاية سوى مزيد من العزلة القارية للشعب الجزائري الشقيق، ومؤكدا أن الهزيمة الأخلاقية في غرف التحرير كانت تسبق، في كل مرة، الهزائم الكروية على أرضية الميدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى