إنتصار جمعة قم على جمعة طهران : آية الله رضا أعرافي مرشد الجمهورية الثالثة

بقلم : البراق شادي عبد السلام
تتكشف في فضاء السلطة الإيرانية ملامح انزياح تاريخي نحو “جمعة قم” التي استطاعت حسم تنافسها المستتر مع “جمعة طهران” عبر مسار طويل من بناء القوة المؤسسية الهادئة؛ حيث تحول منبر قم من فضاء وعظي إلى مركز إستراتيجي يمسك بمفاصل الشرعية العلمية والبيروقراطية الدينية. وتشير الدراسات الأكاديمية المختصة في هيكلية الحوزة إلى أن آية الله علي رضا أعرافي نجح في تفعيل شبكة مؤسساتية واسعة تربط بين مئات المعاهد الدينية وبين الأجهزة السيادية، مما منح “المدرسة الفيضية” في قم تفوقاً نوعياً على “المدرسة الفخرية” في طهران في إنتاج النخبة القادرة على إدارة الدولة في لحظات الانهيار ، حيث يعتمد هذا الصعود على قاعدة بيانات ميدانية توضح سيطرة إدارة الحوزة على ميزانيات ضخمة واستثمارات اقتصادية تابعة لبيت المرشد، الأمر الذي مكنها من تجاوز الدور التعبوي المحدود لخطباء العاصمة، والتحول إلى بديل جاهز لملء الفراغ السياسي بصبغة أيديولوجية رصينة قادرة على الصمود أمام التحولات العاصفة ، ويأتي اختيار آية الله أعرافي، إمام جمعة قم، عضواً في مجلس القيادة الجماعية إلى جانب الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية آية الله غلام حسين محسني إجئي، ليكرس حقيقة تحول “منبر قم” إلى ركيزة أساسية وعمود فقري في هيكل الحكم لمرحلة ما بعد التحولات الكبرى.
يعود تاريخ “مؤسسة إمام الجمعة” في العصر الحديث إلى بدايات الثورة الإسلامية عام 1979، حيث أرسى آية الله الخميني دعائمها كمنصة للربط المباشر بين القيادة والقواعد الشعبية، محولا صلاة الجمعة من شعيرة دينية إلى “مؤتمر سياسي أسبوعي” يرسم سياسات الدولة. تاريخيا، مثل إمام جمعة طهران (الذي هو المرشد نفسه أو من ينوب عنه) الواجهة الرسمية للنظام، ومهمته الأساسية هي “التعبئة السياسية” وتوجيه الرسائل الدبلوماسية والداخلية الحاشدة. في المقابل، ظل إمام جمعة قم يمثل “المرجعية العلمية” والشرعية الفقهية التي يستند إليها النظام؛ فبينما كانت طهران تدير “الضجيج السياسي” واليومي للدولة، كانت قم تدير “البنية التحتية للعقل الشيعي” وتؤمن الغطاء الفقهي للقرارات الكبرى، مما خلق توازنا دقيقا بين “المنبر التعبوي” في العاصمة و”المنبر المؤسسي” في الحوزة، وهو التوازن الذي انكسر مؤخرا لصالح نفوذ قم الإداري.
تكتسب هيمنة الحوزة الدينية في قم طابعا حتميا في ظل التطورات الميدانية المتلاحقة التي عصفت بكيان الدولة في طهران، إذ أدى القصف الأمريكي الإسرائيلي المركز إلى محو المربع الأمني ووقوع تطهير شامل طال قيادات الصف الأول، وصولا إلى اغتيال المرشد الأعلى في ذروة التصعيد العسكري. تضع هذه الكارثة الأمنية العاصمة السياسية تحت وطأة شلل تنفيذي، بينما تبرز قم بقيادة آية الله علي رضا أعرافي، مدير الحوزات العلمية في عموم إيران وعضو مجلس صيانة الدستور، كمركز ثقل وحيد متبق يمتلك مقومات الشرعية الاجتهادية والقبول الواسع. وتتجلى قوة أعرافي في تحالفه الاستراتيجي المتين مع الحرس الثوري الإيراني؛ فمن خلال إشرافه المباشر على جامعة المصطفى العالمية، أدار عمليات تدريبية مكثفة لعناصر الحرس الثوري، شملت التأهيل العقائدي والميداني للكوادر العسكرية في الداخل، وتدريب العناصر المنخرطة في العمليات الخارجية بالساحات في إطار عقيدة “تصدير الثورة”. كما امتد نفوذه ليشمل برامج تدريبية تخصصية لمختلف أفرع المؤسسة العسكرية، مما جعل منه حلقة الوصل الأيديولوجية واللوجستية بين “الحوزة” و”المؤسسة العسكرية”. حيث إن الانتقال من “توجيه الدولة” إلى “قيادة الدولة” من قبل منبر جمعة قم يعكس واقعا فرضته الضربات الصاروخية التي استهدفت مراكز القرار في طهران، مما دفع بـ أعرافي المعروف “كرجل تكنوقراطي ديني” ليكون الربان القادر على لملمة الشتات المؤسسي وتدشين حقبة “الجمهورية الثالثة” وسط أنقاض القيادة المركزية السابقة.
في نفس السياق شهد عهد آية الله علي خامنئي تحولا جوهريا في بنية “مؤسسة إمام الجمعة”، حيث انتقلت من “الاجتهاد المنبري” النسبي إلى “المركزية التنظيمية” المطلقة؛ فقد عمد المرشد إلى إعادة هيكلة المؤسسة عبر إنشاء “المجلس الأعلى للسياسات لأئمة الجمعة”، الذي أخضع كافة المنابر لرقابة إدارية وفكرية صارمة تابعة مباشرة لمكتبه. وبموجب هذه الهيكلة، تم توحيد مضامين الخطبة السياسية في جميع أنحاء البلاد عبر “نشرة توجيهية” تصدر أسبوعيا، لضمان صدى موحد لسياسات الدولة العليا. وبرز في قلب هذه المنظومة حجة الإسلام محمد جواد حاج علي أكبري، الذي عين رئيسا للمجلس عام 2018، ليتحول إلى “المهندس الإداري” لشبكة المنابر والمسؤول عن ضبط “إيقاع الولاء” في 900 مدينة إيرانية.
ومع ذلك، وجد علي أكبري نفسه في قلب صراع مستتر بين “جمعة طهران” التي تمثل الواجهة السياسية لطبقة رجال الدين المرتبطة ببيت المرشد، وبين “جمعة قم” التي يقودها آية الله علي رضا أعرافي كمركز للثقل الفقهي والمؤسسي. وفي حين كانت طهران تعتمد على وجوه وعظية تقليدية مثل آية الله كاظم صديقي، إمام الجمعة المؤقت، فقد تآكلت رمزية هذا المنبر بفعل ضربات ممنهجة؛ إذ تم إضعاف موقف صديقي وتياره “العرفاني” عبر تسريبات صحفية دقيقة كشفت عن فضيحة عقارية ضخمة تتعلق بالاستيلاء على أراض في منطقة “أزغل” الراقية بشمال طهران ونقل ملكيتها لشركة عائلية. هذه الفضيحة لم تكن ملف فساد فحسب، بل كانت أداة “تطهير معنوي” أطاحت بهيبة خطباء العاصمة التقليديين، وجعلت من “منبر طهران” عبئا أخلاقيا وسياسيا أمام الرأي العام والقواعد الأصولية.
هذا الانهيار في رمزية طهران منح تفوقا كاسحا للتغلغل البيروقراطي لجمعة قم ممثلة في أعرافي ، الذي استثمر “نظافة يده” المؤسسية لربط قم بمفاصل الدولة والحرس الثوري، محولا “منبر قم” إلى قطب مواز يمتلك أدوات تنفيذية تتجاوز التوجيه الوعظي الذي غرق فيه آية الله صديقي. وتتلخص موازنة الولاء لدى علي أكبري اليوم في معادلة “البقاء المؤسسي”؛ فبينما يرتبط بـ مجتبى خامنئي برباط أمني ومالي يستمد قوته من سطوة “بيت المرشد”، إلا أن ولاءه العضوي ينزاح نحو أعرافي كونه يمثل الشرعية الفقهية الصامدة والبديل “النظيف” القادم من قم. في لحظة الانهيار الأمني للعاصمة، تتحول علاقة علي أكبري بمجتبى وصديقي من تحالف قوة إلى عبء “وراثة سياسية” مثيرة للانقسام، بينما يبرز أعرافي كخيار “التكنوقراط الديني” الوحيد المقبول لدى قيادات الحرس الثوري. لذا، فإن “رادارات” علي أكبري ستتجه حتما نحو قم، ليكون هو “جهاز الإرسال” الذي يشرعن انتقال السلطة من “بيت المرشد” المتهاوي إلى “الجمهورية الثالثة” بقيادة أعرافي، لضمان استمرار المنظومة فوق أنقاض المركز القديم.
إن عبور آية الله علي رضا أعرافي من “إدارة الحوزة” إلى “سدة الولاية” لا يتوقف عند كفاءته التكنوقراطية، بل يظل رهينا بمدى قدرته على توليف “تحالف الضرورة” الذي يجمع بين صرامة السلطة القضائية وبقايا “الجمهورية الثانية” مع مراكز القوة الصلبة في الحرس الثوري؛ إذ يجد كبار الجنرالات في إمام جمعة قم “خيار الضرورة” القادر على كبح طموحات مجتبى خامنئي ومنع تحول النظام إلى “ملكية ثيوقراطية”. كما أن طموح أعرافي في تأسيس “الجمهورية الثالثة” يتقاطع مع رغبة حاملي الرايات من كبار دهاقنة النظام في الحفاظ على مؤسساتية الدولة، لضمان الصمود في وجه الهجمات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت قلب العاصمة ومقار تابعة للنظام في مختلف المحافظات الإيرانية. هذه الهجمات كانت بمثابة ضربات دقيقة تهدف إلى تفكيك مفاصل النظام وإحداث شلل في مراكز القرار، رغبة في دفع الشارع الإيراني المنهك نحو الخروج إلى الشوارع في انتفاضة شاملة تطيح بما تبقى من هيكل الدولة وسط دخان الانفجارات.
وفي مواجهة هذا المخطط الذي يراهن على الفوضى الشعبية وسقوط “البيت من الداخل”، يبرز التباين الحاد بين إمام جمعة طهران الذي استنزفت رمزيته في أزمات العاصمة، وبين إمام جمعة قم الذي يطرح نفسه كصمام أمان لمنع الانزلاق نحو الحرب الأهلية. و هنا يتطلب العهد الجديد من أعرافي إدارة توازنات انتحارية؛ فقد يضطر إلى تقديم تنازلات إقليمية مؤلمة لتبريد الجبهات الخارجية والالتفاف على الضغوط الدولية، وذلك لقطع الطريق على استراتيجية “الإسقاط من الخارج عبر الضغط بالداخل”. إن هذا التحول يضع الحرس الثوري أمام مسؤولية تاريخية: فإما الاستمرار في نهج “المربع الأمني” المتهاوي، أو الانحياز لمشروع أعرافي الذي يسعى لترميم الشرعية المفقودة وإعادة بناء جدار الثقة مع الجماهير، لضمان بقاء المنظومة ككيان موحد في مواجهة أعنف محاولة دولية لهدم أركانها من القمة إلى القاعدة.




