الوثيقة العدلية: حين ينطق “الرَّق” بأسرار التاريخ والهوية

بقلم : د.يوسف الحزيمري
تعد الوثيقة العدلية جسرا بين القانون والتاريخ، فهي ليست مجرد ورقة قانونية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الغرض منها، بل هي كائن نابض بالحياة تربط الأجيال بهويتها ووطنها ودينها، فهي تجمع بين القيمة القانونية (إثبات الحقوق) والحمولة التاريخية والاجتماعية، مما يجعلها مادة غنية للباحثين في تخصصات القانون، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والعلوم الشرعية.
إن الوثيقة العدلية “مرآة للحياة اليومية” والتفاصيل الحضارية، فهي تواكب الإنسان من قبل ولادته (عبر الوصايا) وحتى ما بعد وفاته، ومن خلالها يمكن استخلاص معطيات دقيقة حول: تراجم الرجال وأصول العائلات، واستكشاف التاريخ المحلي والوطني وملأ الفراغات وتركيب المعطيات، ومن خلالها يمكن الكشف عن التفاصيل التقنية والحضرية للمدن، ومعرفة المعطيات الاقتصادية: (أثمان العقارات، والعملات المتداولة، وقيم الأشياء في حقب تاريخية مختلفة).
أضف إلى هذا أبعادها السياسية والوطنية، حيث كان للوثيقة العدلية اليد المتينة في الدفاع عن القضايا الوطنية العادلة، وحماية الوحدة الترابية، وعلى رأسها مغربية الصحراء.
فالمغرب اعتمد على الوثائق العدلية (مثل بيعات القبائل الصحراوية للسلاطين) أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي، والتي أكدت في حكمها عام 1975 وجود روابط بيعة تاريخية.
إلى جانب ما ذكر فإن الوثيقة العدلية ترسخ الهوية الوطنية الإسلامية، وتربط الخلف بالسلف، وتشكل كنزا من كنوز تراثنا اللامادي (المعارف والقيم، الروابط الروحية، والأعراف والتقاليد المجتمعية التي توثقها العقود، الذاكرة الجماعية: المعلومات المتعلقة بطرق العيش القديمة، واللغة الدارجة أو المصطلحات التقنية التي كانت مستخدمة في عصور سابقة، والممارسات الاجتماعية: الطقوس المتعلقة بالزواج، الوصايا، وطرق إثبات الحقوق التي تعكس هوية المجتمع المغربي وأصالته) الذي يتوجب الحفاظ عليه والاعتناء به.
وإذا كان المصدر للمعلومة “وثيقة عدلية”، فشد عليها يديك، حيث تُعد الوثائق القضائية والعدلية (أحكام، محاضر، عقود) من أكثر المصادر موثوقية نظراً لقيمتها الحججية ومصداقيتها العالية.
إن الاهتمام بالوثيقة العدلية كجزء من الأرشيف الوطني، هو اهتمام بعمق التاريخ المغربي، فهي “عربون الشفافية” وضمان للاستمرارية في الحاضر والمستقبل، وكما أشار “جاك ديريدا”، فإن الأرشيف ليس متعلقاً بالماضي فقط، بل هو مسؤولية لبناء الغد.
ومن ثم وجب علينا القيام إزاء هذه الأهمية، بأمور لا مفر منها؛ وهي:
• الحفظ والتعزيز: حفظ الوثائق العدلية في الأرشيف الوطني وحمايتها من الضياع.
• البحث الأكاديمي: تشجيع الدراسات التي تستخرج المعلومات التاريخية من هذه الوثائق (الرقمنة والبحث العلمي).
• التوعية والتعاون: تنظيم ندوات لتوعية المجتمع بقيمة هذا الكنز، وتعزيز التعاون بين الباحثين والمؤسسات العلمية.





