مجتمع

الملعب ليس ساحة حرب

 

تحليل نفسي-صحفي لأحداث نصف نهائي كأس الكونفدرالية

 

 

فتيحة عزيب اخصائية إكلينيكية

 

في عالم كرة القدم، تُقاس المباريات بالدقائق والأهداف، لكن ما حدث في ملعب المسيرة بآسفي قبل انطلاق صافرة الحكم يُقاس بمعايير أخرى: بالخوف الذي شعر به لاعبون اضطروا لمغادرة الملعب، وبالتأخير الذي امتد نحو 80 دقيقة، وبالأسئلة التي لا تزال بلا إجابة. فريق اتحاد العاصمة الجزائري تأهل لنهائي كأس الكونفدرالية بتعادل 1-1 أمام أولمبيك آسفي المغربي، لكن التأهل لا يُمحو ما سبقه، ولا يُغلق ملفاً يستحق النقاش بعيداً عن العاطفة.

الحادث بدايته بسيطة، لكن تفسيره ليس كذلك. سحب لافتة “باش” من السياج أثار ردة فعل عنيفة من مشجعين اقتحموا الملعب. في لحظة، تحولت مباراة كرة قدم إلى ساحة فوضى. لكن لماذا يتحول سحب قطعة قماش إلى اقتحام ملعب؟ علم النفس الرياضي يقدم تفسيرات، لكنها ليست أعذاراً. وفقاً لنظرية التقييم المعرفي للعواطف التي وضعها العالم ريتشارد لازاروس، العاطفة لا تنبع من الحدث ذاته بل من تقييم الفرد له. المشجعون قيّموا سحب اللافتة كتهديد وجودي على هويتهم، فكان الرد بالعنف “منطقياً” في إطار تقييمهم المشوّه. لكن المنطق هنا منطق المجموعة لا الفرد، وهو ما يفسّره فيليب زيمباردو بـ”الغيبوبة الجماهيرية” حيث يفقد الفرد في الحشد إحساسه بالمسؤولية الفردية. التفسير يفهم الآلية، لكنه لا يُبرّر السلوك. القانون يحاسب الفرد لا الجماعة، والضمير يفعل الشيء نفسه.

ما يُلاحظ في روايات شهود العيان أن التوتر لم يكن من جانب واحد. وفقاً لتصريحات مسؤولين في نادي أولمبيك آسفي، بدأ التوتر يتصاعد بين جماهير الفريقين قبل بداية المباراة، وتحول لاحقاً إلى اقتحام للملعب واشتباكات. هذا يُعيدنا إلى نظرية التصنيف الاجتماعي لتاجفيل وتورنر، حيث تتحول المباراة من “منافسة رياضية” إلى “صراع هوية”، والخصم من “منافس” إلى “عدو”. اللافتة هنا ليست مجرد قماش، بل رمز يتجاوز حدود الملعب.

ما حدث للاعبين كان مختلفاً تماماً. غادروا الملعب في لحظات الفوضى الأولى، ولم يعودوا إلا بعد نحو 80 دقيقة من تدخل الأمن. في عيون بعض المشاهدين، قد يبدو هذا “هروباً”، لكن في لغة علم النفس الرياضي هو “استجابة هروب وظيفية”. الجهاز العصبي الودي ينشط عند تقييم التهديد، فيفرز الأدرينالين والكورتيزول استعداداً للمواجهة أو الفرار. اللاعبون لم يهربوا من المباراة، بل من تهديد حقيقي وغير متوقع. التأخر في العودة يكشف أكثر مما تكشفه العودة نفسه. في البداية كان القرار غريزياً: الخطر واضح والرد واضح. لكن حين أعلن الأمن “استعادة السيطرة”، تحول الأمر من غريزة إلى تقييم معرفي. الثقة، وفقاً لبحوث نظرية الثقة، لا تُمنح بالتصريحات بل تُبنى بالتجربة المتكررة. الثمانون دقيقة كانت فترة اختبار ثقة، وليست مجرد تأخير إداري.

عادوا أخيراً. لعبوا. تعادلوا 1-1 وتأهلوا. في شاشات التلفزيون، يبدو المشهد “بطولياً”، لكن الواقع أكثر تعقيداً. من جهة، يعكس المشهد التزاماً مهنياً وتماسكاً جماعياً، وهو ما تُسميه باحثة المرونة النفسية أنجيلا ماستن “التكيف الإيجابي رغم الظروف السلبية”. لكنها تحذر أيضاً من “الصمود السطحي” حيث يؤدي اللاعب مهمته وهو يحمل ما حدث في ذاكرته الجسدية. التركيز، حسب مايهاي تشيكسنتمهايي صاحب نظرية التدفق، يتطلب انغماساً تاماً في اللحظة. هل يمكن الوصول إلى هذا التدفق بعد اقتحام الملعب؟ ربما. لكن الجسد يدفع ثمناً قد لا يظهر فوراً: فرط يقظة في المباريات المقبلة، نظرة تلقائية إلى السياج قبل النظر إلى الكرة، توتر عضلات لا إرادي. هذه ليست خيالاً، بل آثار ما يُسميه علم النفس “التروما المعقدة”: الحدث انتهى، لكن الجسد لم يُبلّغ بعد.

في المهنة الصحفية، تعلمت أن اللغة تسبق الفعل. عندما نُسمي ما حدث “شغباً جماهيرياً”، نُضفي عليه صفة العفوية والجماعية ونُخفف المسؤولية الفردية. “شغب” يوحي بفوضى لا يتحكم فيها أحد، بينما “اعتداء” يوحي بقرار واعٍ. الفرق ليس لغوياً فقط، بل قانونياً وأخلاقياً وإعلامياً. روبرت إنتمان، باحث في نظرية الإطار، يقول إن الإعلام “يختار جوانب الواقع ويُبرزها”، وبهذا يُحدد كيف يفهم الجمهور الحدث. عندما نُبرز “التأهل” ونُخفف “الاقتحام”، نُعيد إطاراً يُبرّر العنف ضمنياً. هذا ليس تحليلاً، بل تواطؤ.

الرياضة تستحق ملاعب آمنة. ليس لأن التحليل النفسي يقول ذلك، بل لأنها حق إنساني بسيط. اللاعبون ليسوا جنوداً، والملعب ليس ساحة حرب، والجماهير ليسوا ميليشيات. ما حدث في آسفي يُفسّره علم النفس، لكنه لا يُبرّره. التفسير يفهم، والتبرير يُسامح. نحن هنا لفهم، لا للمسامحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى