مجتمع

حزب الاستقلال في مواجهة شعبوية الأسعار.. الدفاع عن المواطن يبدأ من إصلاح السوق

 

في كل مرة يرتفع فيها سعر المحروقات، يعود النقاش السياسي إلى نقطة الصفر. ترتفع الأصوات المطالبة بتسقيف الأسعار، وتتعالى الاتهامات بين الأحزاب، بينما يظل المواطن منشغلا بسؤال واحد: لماذا لا تنخفض الأسعار؟ ومن المسؤول عن هذا الوضع؟

 

وسط هذا الجدل، اختار حزب الاستقلال أن يدافع عن موقف مختلف، لا يقوم على البحث عن الحلول السهلة أو إطلاق الوعود التي تستهوي الرأي العام، بل على طرح رؤية يعتبرها أكثر واقعية وعدالة. رؤية تنطلق من فكرة بسيطة مفادها أن حماية القدرة الشرائية للمواطن لا تعني بالضرورة اللجوء إلى دعم الأسعار، وإنما تستوجب قبل كل شيء إصلاح السوق وضبط قواعد المنافسة داخله.

 

وقد تعرض الحزب في الآونة الأخيرة لانتقادات بسبب رفضه بعض المقترحات المتعلقة بتسقيف أسعار المحروقات، حيث اعتبر البعض أن هذا الموقف يتناقض مع خطابه الاجتماعي ودفاعه المستمر عن القدرة الشرائية للمغاربة. غير أن حزب الاستقلال يرى أن هذا الاتهام يقوم على خلط بين أمرين مختلفين تماما: خفض الأسعار من جهة، والطريقة التي يتم بها هذا الخفض من جهة أخرى.

 

فالحزب لا يعارض أن يستفيد المواطن من أسعار معقولة، بل يعتبر ذلك من صميم التزامه السياسي والاجتماعي. لكنه يرفض أن يتحول هذا الهدف المشروع إلى عبء جديد على المالية العمومية، أو إلى آلية غير مباشرة لتمويل أرباح شركات خاصة من المال العام.

 

ويعتقد حزب الاستقلال أن تسقيف الأسعار لا يعني اختفاء الكلفة، وإنما نقلها من المستهلك إلى الدولة. فإذا تم فرض سعر أقل من السعر الحقيقي للمحروقات، فإن الدولة تصبح مطالبة بأداء الفرق، وهو ما يعني أن الخزينة العمومية هي التي ستتحمل العبء.

 

وبالنسبة للحزب، فإن هذا الاختيار يثير إشكالا حقيقيا يتعلق بأولويات الإنفاق العمومي. فهل من الأفضل توجيه مليارات الدراهم لدعم الأسعار، أم تخصيصها لتحسين المدرسة العمومية، وتأهيل المستشفيات، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، ودعم الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل؟

 

إن المال العام، في نظر حزب الاستقلال، ليس موردا لا ينضب، بل هو أمانة يجب تدبيرها وفق منطق المصلحة العامة. ولذلك يرفض الحزب أن تصبح الدولة ممولا دائما لاختلالات السوق، أو أن تتحمل وحدها نتائج غياب المنافسة الحقيقية داخل بعض القطاعات.

 

ومن هنا يبرز مفهوم تسقيف الأرباح، الذي يدافع عنه الحزب باعتباره بديلا أكثر إنصافا ونجاعة.

 

فإذا كانت بعض الشركات تحقق هوامش ربح مرتفعة بشكل غير مبرر، فإن المنطق الاقتصادي والاجتماعي، حسب حزب الاستقلال، يقتضي وضع حدود معقولة لهذه الأرباح، بدل مطالبة الدولة بتحمل كلفة الحفاظ عليها.

 

ولا يعني هذا التوجه معاداة القطاع الخاص أو التضييق على المستثمرين. فالحزب كان دائما من المدافعين عن المبادرة الحرة وعن تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، لكنه في المقابل يؤمن بأن حرية السوق لا تعني غياب القواعد، وأن المنافسة الحقيقية هي التي تضمن التوازن بين حق المستثمر في الربح وحق المواطن في الاستفادة من أسعار عادلة.

 

إن حزب الاستقلال ينطلق من قناعة راسخة مفادها أن الاقتصاد القوي ليس ذلك الذي يقوم على الدعم المستمر، وإنما ذلك الذي يضمن توزيعا عادلا للأعباء والفرص. فلا يمكن أن يؤدي المواطن الضرائب، ويتحمل آثار ارتفاع الأسعار، ثم يساهم مرة أخرى في تمويل دعم تستفيد منه شركات تحقق أرباحا مهمة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الحزب لا يخوض معركة ضد خفض الأسعار، بل يخوض معركة من أجل عدالة اقتصادية أوسع. عدالة تجعل السوق أكثر شفافية، وتربط الأرباح بمستويات معقولة، وتضمن أن يكون تدخل الدولة موجها لخدمة المواطنين لا لتعويض اختلالات يمكن معالجتها بوسائل أخرى.

 

لقد ظل حزب الاستقلال، عبر تاريخه السياسي، وفيا لفكرة الدولة الاجتماعية التي تحمي الفئات الهشة وتدافع عن الطبقة الوسطى، لكنه في الوقت نفسه يؤمن بأن هذه الحماية لا ينبغي أن تتم عبر حلول مؤقتة قد تثقل كاهل المالية العمومية وتؤثر على قدرة الدولة على الاستثمار في المستقبل.

 

ولهذا، فإن موقف الحزب من ملف المحروقات ليس موقفا ظرفيا أو تكتيكا سياسيا عابرا، بل هو امتداد لرؤية اقتصادية واجتماعية تعتبر أن حماية المواطن لا تتحقق فقط عبر تخفيض الأسعار، وإنما أيضا عبر إصلاح السوق، ومحاربة الاحتكار، وترشيد الإنفاق العمومي، وضمان توزيع أكثر عدالة للثروة.

 

إن المعركة الحقيقية، في نظر حزب الاستقلال، ليست بين من يريد خفض الأسعار ومن يرفض ذلك، وإنما بين من يبحث عن حلول سريعة قد تؤجل المشكل، ومن يسعى إلى معالجة أسبابه الحقيقية.

 

وبين الشعبوية الاقتصادية التي تعد بكل شيء، والواقعية التي تبحث عن حلول مستدامة، يختار حزب الاستقلال أن يدافع عن ما يعتبره الطريق الأصعب، لكنه أيضا الطريق الأكثر عدالة: حماية المواطن عبر إصلاح السوق، لا عبر استنزاف المال العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى