مجتمع

بركة يفتح ملف كلفة الفساد ويدعو إلى إصلاح يربط الشفافية بالعدالة الاجتماعية

 

دعا نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، إلى جعل محاربة الفساد جزءا لا يتجزأ من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، معتبرا أن التنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل استمرار التعقيدات الإدارية، وتضارب المصالح، وضعف الشفافية في تدبير الرخص والامتيازات والدعم العمومي.

 

وخلال ندوة وطنية حول محاربة الفساد ورهان التنمية الاقتصادية، قدم بركة تصورا يقوم على الانتقال من مواجهة النتائج إلى معالجة الأسباب، مؤكدا أن الفساد لا ينعكس فقط على صورة المؤسسات، بل يرفع كلفة الاستثمار، ويضعف المنافسة، ويهدر الموارد العمومية، ويعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية.

 

وسجل بركة أن كثرة القوانين وتشعب الإجراءات لا تعني بالضرورة مزيدا من الرقابة، بل قد تنتج أثرا معاكسا عندما تتحول المساطر إلى شبكة معقدة يصعب على المواطن والمستثمر فهمها أو تتبعها. وأوضح أن الغموض الإداري وتعدد المتدخلين وطول آجال معالجة الملفات توفر مجالات واسعة للوساطة والانتقائية واستغلال النفوذ.

 

ودعا، في هذا الإطار، إلى تقليص التضخم التشريعي ومراجعة المساطر التي لم تعد لها جدوى، مع اعتماد إجراءات واضحة ومحددة في الزمن، تمكن المرتفق من معرفة حقوقه والوثائق المطلوبة والجهة المسؤولة عن معالجة ملفه.

 

واعتبر أن إصلاح الإدارة وتبسيط المساطر يشكلان شرطا لتحسين مناخ الأعمال، لأن المقاولات، وخصوصا الصغيرة والمتوسطة، تتحمل كلفة إضافية بسبب التأخير وكثرة الوثائق وتعدد المصالح الإدارية المتدخلة. كما أن وضوح القواعد، بحسبه، يساعد على ضمان المساواة بين المستثمرين ويحد من الامتيازات غير المشروعة.

 

وفي جانب آخر، وضع الأمين العام لحزب الاستقلال مسألة تضارب المصالح ضمن الملفات التي تتطلب تدخلا تشريعيا واضحا، داعيا إلى اعتماد قانون وطني يحدد بدقة الحالات التي تتعارض فيها المسؤولية العمومية مع المصالح الشخصية أو المهنية.

 

وشدد بركة على أن حماية القرار العمومي تستدعي منع أي مسؤول من توظيف صفته أو المعلومات المتاحة له لتحقيق منفعة خاصة، معتبرا أن الثقة في المؤسسات تبدأ من وضوح الحدود بين خدمة المصلحة العامة والدفاع عن المصالح الشخصية.

 

كما دعا إلى إعادة تنظيم منح الرخص والامتيازات الاقتصادية، من خلال إخضاعها لدفاتر تحملات معلنة تحدد شروط الاستفادة والالتزامات المرتبطة بها، وتضع مؤشرات واضحة لتقييم النتائج.

 

وأكد أن الامتيازات التي تمنحها الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى مورد دائم أو حق مكتسب، بل يجب أن تكون مرتبطة بتحقيق أهداف محددة، من بينها خلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتطوير الاستثمار، والمساهمة في التنمية المحلية.

 

وفي ما يتعلق بالدعم العمومي، انتقد بركة استمرار تقديم بعض أشكال الدعم دون ربطها بنتائج واضحة، معتبرا أن حماية المال العام تقتضي إخضاع مختلف المساعدات والتحفيزات لشروط دقيقة وآليات للمراقبة والتقييم.

 

وأوضح أن الدعم الموجه إلى المقاولات أو القطاعات الاقتصادية ينبغي أن ينعكس على المواطن من خلال الحفاظ على فرص الشغل، وتحسين الإنتاج، وضبط الأسعار، ودعم القدرة الشرائية. أما الدعم الذي لا يحقق منفعة عامة قابلة للقياس، فإنه يتحول إلى عبء على المالية العمومية ومصدر للشعور بعدم الإنصاف.

 

وربط بركة بين عقلنة الدعم وبناء الدولة الاجتماعية، مؤكدا أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بكثرة البرامج، بل بحسن توجيه الموارد وضمان وصولها إلى الفئات والقطاعات المستهدفة، مع تقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي.

 

وفي محور التحول الرقمي، اعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يوفران إمكانيات مهمة لتقليص فرص الفساد، من خلال الحد من الاحتكاك المباشر بين المواطن والإدارة، وتوحيد معالجة الملفات، وتسجيل مراحل اتخاذ القرار.

 

وشدد على أن الرقمنة الحقيقية لا تعني فقط وضع الاستمارات على الإنترنت، بل تستوجب إعادة بناء المساطر الإدارية وحذف المراحل غير الضرورية وربط قواعد البيانات بين مختلف المؤسسات.

 

وأضاف أن توظيف الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تتبع الصفقات العمومية والرخص والدعم، ورصد العمليات غير العادية، والكشف المبكر عن الاختلالات التي قد تشير إلى وجود تلاعب أو استغلال للنفوذ.

 

وفي السياق نفسه، دعا بركة إلى تقوية مؤسسات الرقابة والحكامة، وفي مقدمتها مجلس المنافسة والهيئات المكلفة بالنزاهة ومحاربة الرشوة، مع تمكينها من الوسائل القانونية والتقنية والبشرية التي تسمح لها بالتدخل بفعالية.

 

ونبه إلى خطورة ممارسات التواطؤ في الأسعار واستغلال مواقع الهيمنة، بالنظر إلى أثرها المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى حرية المنافسة داخل السوق، معتبرا أن حماية الاقتصاد تقتضي ردعا فعالا لكل الممارسات التي تضر بالمستهلكين والمقاولات.

 

وأكد أن محاربة الفساد لا يمكن أن تبقى محصورة في العقوبات والمتابعات بعد وقوع المخالفات، بل يجب أن تقوم على سياسة وقائية تقلص مناطق الغموض، وتحدد المسؤوليات، وتوسع الشفافية، وتجعل القرارات الإدارية قابلة للتتبع والمساءلة.

 

وخلص بركة إلى أن الإصلاح المؤسساتي والعدالة الاجتماعية يشكلان مسارا واحدا، لأن كل ضعف في الحكامة يؤدي إلى هدر الموارد وتعطيل الاستثمار وتوسيع الفوارق. لذلك، فإن ربح معركة التنمية يمر عبر سيادة القانون، ووضوح القواعد، وربط الدعم والامتيازات بالمصلحة العامة، وضمان تطبيق القواعد نفسها على الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى