مجتمع

سبتة ومليلية… حين يطالب الاحتلال بطرد أبناء الأرض

 

بقلم: عابد أموسى

 

عادت مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، بعد تصاعد أصوات داخل إسبانيا تطالب بإبعاد المغاربة الذين دخلوا إلى سبتة خلال الأيام الأخيرة، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقات المغربية الإسبانية.

 

ورغم أن لكل دولة الحق في تدبير حدودها وفق قوانينها الوطنية والتزاماتها الدولية، فإن المفارقة التي تستحق التوقف عندها تكمن في أن الحديث يدور عن مدينتين يعتبرهما المغرب جزءاً لا يتجزأ من ترابه الوطني، بينما تخضعان للإدارة الإسبانية منذ قرون.

 

من منظور المغرب، فإن سبتة ومليلية ليستا مدينتين إسبانيتين بالمعنى التاريخي، بل هما ثغران مغربيان خضعا للاحتلال في مراحل تاريخية مختلفة. فقد احتلت البرتغال سبتة سنة 1415 قبل أن تنتقل إلى السيادة الإسبانية سنة 1668، بينما احتلت إسبانيا مليلية سنة 1497. ومنذ استقلال المغرب سنة 1956، ظل هذا الملف حاضراً في الموقف الرسمي المغربي الذي يعتبر المدينتين آخر بقايا الوجود الاستعماري في شمال إفريقيا.

 

وفي المقابل، تتمسك إسبانيا بسيادتها على المدينتين، معتبرة أنهما جزء من أراضيها الوطنية، وهو موقف لا يحظى باعتراف المغرب، ما يجعل الملف معلقاً بين رؤيتين سياديتين متناقضتين.

 

وسط هذا الجدل، برزت دعوات سياسية وإعلامية داخل إسبانيا للمطالبة بترحيل المغاربة الذين دخلوا إلى سبتة. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات سياسية وأخلاقية عميقة: كيف يمكن لدولة تدير إقليماً متنازعاً عليه أن تتعامل مع وجود مغاربة داخله باعتباره وجوداً أجنبياً مطلقاً، في حين أن المغرب يعتبر الأرض نفسها جزءاً من ترابه الوطني؟

 

ولا يتعلق الأمر هنا بتبرير الهجرة غير النظامية أو الدعوة إلى تجاوز القوانين، فالمغرب نفسه يرفض الهجرة السرية ويعمل بشكل مستمر مع شركائه الأوروبيين لمحاربتها. لكن النقاش يتجاوز الجانب الأمني ليصل إلى البعد التاريخي والسيادي للقضية.

 

كما أن تعميم المطالبة بإبعاد “المغاربة” بصيغة جماعية قد يغفل حقيقة أن آلاف المغاربة يساهمون منذ عقود في الاقتصاد الإسباني، ويشتغلون في مختلف القطاعات، ويحترمون القوانين، بل إن العلاقات الاقتصادية والإنسانية بين الشعبين أعمق بكثير من أن تختزل في موجة عبور ظرفية أو حادث معزول.

 

إن قضية سبتة ومليلية لا يمكن فصلها عن التاريخ ولا عن القانون الدولي ولا عن خصوصية العلاقات المغربية الإسبانية، التي تجمع بين التعاون الاستراتيجي والخلاف حول ملفات سيادية معقدة. ولذلك فإن أي نقاش مسؤول ينبغي أن يميز بين تدبير الهجرة باعتبارها قضية أمنية وإنسانية، وبين النزاع التاريخي حول المدينتين، دون خلط بين الملفين.

 

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن بناء مستقبل من الثقة والتعاون بين بلدين جارين، بينما يظل ملف سبتة ومليلية مفتوحاً دون أفق سياسي واضح؟ أم أن استمرار هذا الوضع سيبقي كل أزمة حدودية مناسبة لإعادة إحياء جرح تاريخي لم يلتئم بعد؟

 

إن معالجة هذا الملف تتطلب خطاباً سياسياً متزناً، يحترم القانون الدولي، ويبتعد عن التعميم، ويفسح المجال لحوار مسؤول يراعي الحقوق التاريخية، ويحفظ في الوقت نفسه كرامة الإنسان وسيادة الدول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى