قانون صدر.. ومال رصد.. وعاطلون يمشون …كيف انتهت مسيرة الكرامة عند أبواب قرطاج؟

في تونس، لم يعد العاطل عن العمل ينتظر أمام مكتب التشغيل حاملا ملفه تحت ذراعه ، هذه المرة حمل العاطلون ملفاتهم ومطالبهم ومشوا مئات الكيلومترات من منزل بوزيان في سيدي بوزيد باتجاه العاصمة وقصر قرطاج، في ما أطلقوا عليه “مسيرة الكرامة” لكن الطريق الذي بدأ احتجاجا سلميا من أجل تنفيذ قانون انتهى عند برج السدرية، حيث منعت قوات الأمن المسيرة من مواصلة التقدم جماعيا نحو العاصمة، بحسب ما أفاد به المشاركون وتقارير صحفية.
القصة بدأت قبل ذلك بأشهر ، ففي 22 ديسمبر 2025 صدر القانون عدد 18 المتعلق بالأحكام الاستثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية ، ونشر القانون في الرائد الرسمي في 23 ديسمبر، ونص صراحة على دخوله حيز التنفيذ مباشرة بعد نشره.
لم يكن النص مجرد إعلان نوايا ، فقد نص على إحداث منصة رقمية لتسجيل بيانات المترشحين، وترتيبهم وفق معايير محددة، من بينها السن وسنة التخرج والوضعية الاجتماعية، مع أولوية لمن تجاوزوا 40 سنة ولمن تجاوزت مدة بطالتهم عشر سنوات ، كما نص على الانتداب على دفعات في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ صدور القانون.
لكن هنا بدأت المسافة بين القانون والواقع.
فقانون المالية لسنة 2026 خصص الاعتمادات المالية للدفعة الأولى من الانتدابات، لكنه ربط ذلك بإصدار النصوص الترتيبية المتعلقة بالأحكام الاستثنائية ومتابعة تنفيذها ، وبذلك أصبحت عملية الانتداب مرتبطة باكتمال سلسلة من الإجراءات القانونية والإدارية التي لم تتحول، بالنسبة إلى المحتجين، إلى انتدابات فعلية.
وفي أبريل 2026، كانت الحكومة تؤكد أن الملف يسير نحو التنفيذ ، فقد تم التأكيد رسميا على استكمال إعداد المنصة الرقمية، فيما نقلت الصحافة التونسية عن وزير التشغيل أن الجزء التقني من المنصة أصبح جاهزا وأن الوزارة تنتظر الأوامر الترتيبية لاستكمال العملية.
لكن بالنسبة إلى خريجي التعليم العالي الذين طال انتظارهم، لم يكن الحديث عن منصة قيد الإعداد كافيا ، فالقانون الذي يفترض أن يفتح لهم باب الانتداب كان قد دخل حيز التنفيذ، بينما ظل الباب الإداري نفسه مغلقا.
وفي يوليو، وصل الاحتجاج إلى داخل البرلمان، حين طالب 52 نائبا الحكومة بتسريع تنفيذ القانون وإصدار النصوص التطبيقية ووضع جدول زمني واضح للانتدابات.
ثم خرج الملف من المؤسسات إلى الطريق.
في 27 سبتمبر، انطلقت “مسيرة الكرامة” من منزل بوزيان في سيدي بوزيد باتجاه العاصمة. وقطع المشاركون نحو 300 كيلومتر سيرا على الأقدام، رافعين مطلبا محددا: تفعيل القانون عدد 18 والانتقال من الوعود إلى الإجراءات الفعلية. وتقول تقارير صحفية إن عدد المشاركين، الذي بدأ محدودا، ارتفع خلال الطريق مع التحاق آخرين بالمسيرة.
كان الهدف النهائي واضحا: الوصول إلى قصر قرطاج وإيصال مطالبهم مباشرة إلى رئاسة الجمهورية.
لكن المسيرة لم تصل.
في 6 أكتوبر، توقفت في منطقة برج السدرية، جنوب العاصمة. ووفقا لما نقلته الجزيرة عن المشاركين ومصادر متطابقة، أبلغتهم قوات الأمن بأن مواصلة الطريق في شكل مسيرة جماعية غير مسموح بها، مع السماح لهم، وفق الرواية نفسها، بالتوجه إلى العاصمة بشكل فردي.
وهنا دخلت القضية مرحلة جديدة. فلم يعد السؤال فقط: متى سيطبق القانون؟ بل أصبح أيضا: ماذا يحدث عندما يحاول أصحاب المطلب الوصول بأنفسهم إلى الجهة التي يعتقدون أنها قادرة على حسم الملف؟
وبالتزامن مع إيقاف المسيرة، توجه ستة ممثلين عن المحتجين إلى قصر قرطاج ، وتقول الناطقة باسمهم خديجة صفوفي إنهم تلقوا في البداية ما فهموه على أنه موافقة على استقبالهم من طرف الرئيس قيس سعيد ، لكن اللقاء، بحسب روايتها التي نقلتها الجزيرة، لم يكن مع الرئيس، بل مع أحد مساعديه في القصر. وأضافت أن ممثلي المحتجين لم يحصلوا على موعد محدد لتنفيذ القانون، وأن ما تلقوه هو تأكيد على تطبيقه من دون آجال واضحة أو تفاصيل عملية.
هذه الواقعة تحتاج إلى قراءة دقيقة ، فمن جهة، تؤكد الدولة أنها لم تتخل عن القانون، بل إن الرئيس نفسه بحث قبل ذلك بيوم واحد، مع رئيسة الحكومة ووزير التشغيل مراحل تطبيقه.
ومن جهة أخرى، يقول المحتجون إنهم بعد أشهر من الانتظار ما زالوا لا يملكون تاريخا واضحا لفتح المنصة ولا موعدا محددا لانطلاق الانتدابات.
بين الروايتين توجد فجوة لا يمكن تجاهلها.
الدولة تتحدث عن مراحل وإجراءات ومنصة ونصوص ترتيبية، أما العاطلون فيتحدثون عن سنوات من البطالة وعن قانون ينتظرون أن يتحول إلى وظيفة.
وهذه الفجوة لا تخص مجموعة صغيرة من المحتجين فقط. فمؤشرات المعهد الوطني للإحصاء تظهر أن البطالة بين حاملي الشهادات العليا بقيت مرتفعة خلال 2026، وهو ما يجعل قضية القانون جزءا من أزمة أوسع تتعلق بعلاقة التعليم العالي بسوق العمل وقدرة الدولة على استيعاب أصحاب الشهادات.
والأكثر دلالة أن القانون نفسه وضع آلية دقيقة نسبيا: منصة رقمية، ترتيب تفاضلي، شروط محددة، انتداب بالملفات، وسد الشغور في الوظيفة العمومية والقطاع العام، مع تنفيذ العملية على دفعات خلال ثلاث سنوات.
لكن كل هذه الآليات لا تصبح ذات قيمة بالنسبة إلى العاطل إلا عندما تتحول إلى إجراء يمكنه أن يراه: منصة مفتوحة، ملف مسجل، ترتيب معلن، وآجال للانتداب.
لهذا يمكن فهم مسيرة الكرامة باعتبارها محاولة لإجبار المسافة بين النص والواقع على أن تصبح أقصر.
المفارقة أن المحتجين قطعوا قرابة 300 كيلومتر للوصول إلى العاصمة، بينما ظل القانون الذي خرجوا من أجله عالقا في مسافة أقصر بكثير: المسافة بين صدوره وبين تطبيقه.
وفي النهاية، لم يكن المشهد في برج السدرية مجرد توقف لمسيرة. فقد كشفت اللحظة عن مشكلتين متداخلتين: قانون ينتظر استكمال آليات تطبيقه، ومحتجون يريدون إجابات زمنية واضحة، بينما جرى منع مسيرتهم الجماعية من مواصلة الطريق، وفق الروايات التي نقلتها وسائل إعلام عن المشاركين.
ولذلك فإن السؤال الذي يبقى مفتوحا أمام الحكومة والرئاسة ليس ما إذا كان القانون سيطبق، فالموقف الرسمي يقول إنه سيطبق، السؤال الأكثر تحديدا هو: متى؟ وبأي جدول زمني؟ ومتى ستفتح المنصة؟ ومتى تبدأ الدفعة الأولى؟
أما العاطلون، فقد قدموا إجابتهم بطريقتهم الخاصة: إذا كانت المسافة بين القانون والوظيفة تقاس بالأشهر، فإنهم مستعدون لقياسها بالأقدام.
لكن عندما يصل أصحاب قانون إلى أبواب قرطاج، ثم يجدون أن الطريق الجماعي قد توقف عند برج السدرية، فإن القضية لم تعد مجرد ملف تشغيل. لقد أصبحت أيضا اختبارا لمدى قدرة المؤسسات على تحويل النصوص إلى مواعيد واضحة، وتحويل الوعود إلى إجراءات، وتحويل الاحتجاج إلى حوار ينتهي بإجابة يمكن قياسها.
فالقانون لا يعيش في الرائد الرسمي وحده ، قيمته الحقيقية تبدأ عندما يخرج من الورق ويدخل حياة الناس.




