إقليم سيدي إفني : لخصاص «مدينة للعمل لا للإقامة»، حين يغترب المسؤولون عن ترابهم ويُفرَّغ مفهوم القرب الإداري من مضمونه

. متابعة : الحسين منصوري
تطرح الوضعية الراهنة بمدينة لخصاص، التابعة لإقليم سيدي إفني، أسئلة حارقة حول فلسفة تدبير الشأن المحلي وحدود احترام مبادئ الحكامة الجيدة والنجاعة الإدارية. ففي مفارقة تستفز الرأي العام المحلي، يزاول عدد من المسؤولين الترابيين والمنتخبين، وعلى رأسهم رئيس الجماعة والباشا والقائد ورئيس الدائرة، مهامهم الإدارية بالمدينة، بينما اختاروا الإقامة الدائمة بمدينة تيزنيت.
هذا الواقع لا يمكن اختزاله في كونه اختياراً شخصياً لمكان السكن، بل يطرح إشكالاً قانونياً وإدارياً واضحاً، بالنظر إلى أن تيزنيت تنتمي لنفوذ ترابي وإقليمي مغاير، وتبعد عن لخصاص بحوالي 36 كيلومتراً. وهو ما يضع هؤلاء المسؤولين في حالة تنقل يومي خارج المجال الترابي الذي يُفترض أنهم مسؤولون عن استقراره وتنميته وتأمينه.
هذا الشكل من «الاغتراب الإداري» يفرغ مبدأ تقريب الإدارة من المواطن من مضمونه، ويحوّل حضور المسؤولين بمدينة لخصاص إلى حضور موسمي أو مناسباتي، غالباً ما يقتصر على يوم السوق الأسبوعي أو صلاة الجمعة، قبل أن تغادر الأطر الإدارية المدينة مع نهاية اليوم. وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول الجاذبية الترابية للخصاص:
كيف يمكن لمدينة لا تستقطب حتى مسؤوليها للاستقرار بها أن تكون فضاءً جاذباً للاستثمار أو الكفاءات؟ وهل تحولت في نظر مدبريها إلى مجرد محطة عمل يُغادرها الجميع عند غروب الشمس؟
وعلى المستوى المالي والرقابي، تتعاظم الأسئلة حول كلفة هذا الوضع على المال العام، خاصة مع الاستعمال اليومي لسيارات المصلحة في التنقل بين تيزنيت ولخصاص. وهو ما يفرض التساؤل حول قانونية هذه التراخيص التي تسمح باستعمال وسائل الدولة خارج النفوذ الترابي للإقليم لأغراض مرتبطة بالإقامة الشخصية.
من يتحمل كلفة المحروقات المستهلكة يومياً؟
ومن يؤدي مصاريف كراء السكن بمدينة تيزنيت، في وقت تتوفر فيه لخصاص على مساكن وظيفية مخصصة لهؤلاء المسؤولين؟
وهل تظل هذه المساكن شاغرة أم يتم استغلالها بطرق تطرح أكثر من علامة استفهام؟
إن الأمر لا يتعلق فقط بتدبير يومي أو اختلال تنظيمي عابر، بل يمس جوهر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويستدعي تدخلاً عاجلاً من وزارة الداخلية والمفتشية العامة للإدارة الترابية لتوضيح السند القانوني لهذه الإقامات خارج الإقليم.
فهيبة الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها لا يمكن ترسيخها إلا عندما يكون المسؤول أول من يجسد الانتماء للتراب الذي يشرف عليه، لا أول من يغادره. فالتنمية الحقيقية لا تُدار عن بُعد، بل تبدأ من الاستقرار في قلب المدينة، ومشاركة ساكنتها همومها اليومية وطموحاتها المشروعة.




