المحكمة الدستورية تعيد ضبط الإيقاع التشريعي وتنقذ تنظيم الصحافة من منطق الاستعجال

متابعة : الإعلامية فاتن الجديدة
شكّل قرار المحكمة الدستورية الأخير محطة مفصلية في مسار تنظيم قطاع الصحافة، بعدما وضع حدًا لمنطق الاستعجال الذي طبع مقاربة وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، في تمرير تعديلات قانونية مثيرة للجدل. فالقرار لم يكن مجرد إجراء تقني، بل رسالة دستورية واضحة مفادها أن التشريع، خصوصًا حين يتعلق بحرية التعبير والتنظيم الذاتي للمهنة، لا يحتمل التسرّع ولا الحسابات الظرفية.
لقد أعادت المحكمة الدستورية الاعتبار لمبدأ سمو الدستور، مؤكدة أن تنظيم الصحافة يجب أن يتم في إطار احترام الضمانات الدستورية، وعلى رأسها حرية الصحافة واستقلالية المهنة، بعيدًا عن أي نزعة نحو التضييق أو الالتفاف على الأدوار المنوطة بالمؤسسات المهنية. وهو ما اعتبره مهنيون تصحيحًا لمسار تشريعي كاد ينحرف عن فلسفة التنظيم الديمقراطي للقطاع.
في المقابل، كشف هذا القرار عن إشكالية أعمق تتعلق بطريقة تدبير الحكومة لورش إصلاح الصحافة. فبدل فتح نقاش عمومي موسع يضم المهنيين والفاعلين والمؤسسات التمثيلية، جرى اعتماد مقاربة تقنية ضيقة، غلب عليها منطق السرعة والتمرير، ما أثار مخاوف مشروعة بشأن نوايا التحكم في المجال الإعلامي تحت غطاء التنظيم.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن السياق العام الذي تعيشه الصحافة الوطنية، في ظل أزمات اقتصادية خانقة، وتراجع منسوب الثقة، وتحديات التحول الرقمي. وهي إكراهات كان الأجدر أن تشكّل مدخلًا لإصلاح تشاركي يعزز استقلالية الصحافة ويقوّي آليات التنظيم الذاتي، لا أن تُستعمل مبررًا لإعادة هندسة المشهد بقوانين متسرعة.
إن قرار المحكمة الدستورية، بما يحمله من دلالات قانونية وسياسية، يعيد التوازن إلى العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة الدستورية، ويؤكد أن حماية حرية الصحافة ليست خيارًا سياسيًا، بل التزام دستوري. كما يضع الحكومة أمام مسؤولية مراجعة منهجيتها، والانخراط الجدي في حوار مؤسساتي حقيقي يفضي إلى إصلاح متوافق عليه، يحفظ كرامة المهنة ويصون حق المجتمع في إعلام حر ومسؤول.




