الأساس الدستوري للجهوية المتقدمة بين التدبير الإداري و متطلبات التنمية

محمد أيوب حربيلي : باحث القانون الدستور
تعتبر الجهوية المتقدمة ورشا مهما لترسيخ الديمقراطية المحلية والنهوض بالتنمية المستدامة، إنها ليست ورشا ظرفيا بل تعتبر خيارا استراتيجيا تم تكريسه دستوريا، وفي هذا السياق يعتبر الإطار الدستوري للجهوية في المغرب إطارا متقدما، حيث نص دستور 2011 على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة، كما جعل من التدبير الحر، والتعاون والتضامن، وتأمين مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة مبادئ يرتكز عليها التنظيم الجهوي والترابي، كما نص على مساهمة الجهة والجماعات الترابية الأخرى في تفعيل السياسة العامة للدولة، وفي إعداد السياسات الترابية، كما أقر الدستور بأن الجهة تتبوأ، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات.
ويواصل المغرب مسار إرساء الإطار القانوني والتنظيمي والمؤسساتي للجهوية، وذلك من خلال إصدار القانون التنظيمي للجهات والقانون التنظيمي للعمالات والأقاليم والقانون التنظيمي للجماعات.
إن مسألة الجهوية المتقدمة لا تقتصر على التدبير الإداري بل أصبحت عنصر أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو ما يقتضي:
أولا: تعزيز الموارد المالية والتي من خلالها يمكن للجهة أن تقوم بأدوارها الدستورية واختصاصاتها في مجال التنمية، إن تحقيـق أهـداف الجهوية المتقدمـة، حسب التقرير المرتبط بالنموذج التنموي الجديد، يستلزم تعزيز الموارد المالية للجماعات الترابية وتنويعها ومشاركتها فيما بينها.
ثانيا: الإلتقائية من خلال ضمان انسجام تدخلات مختلف الفاعلين العموميين، وهنا يجب استحضار ما جاء به ميثاق اللاتمركز الإداري، حيث نص في مادته السابعة على أهداف اللاتمركز الإداري ومن بينها ضمان الالتقائية على مستوى السياسات العمومية وتجانسها وتكاملها على مستوى الجهة وعلى مستوى العمالة أو الإقليم، وتحقيق التعاضد في وسائل تنفيذها، مما يساهم في تعزيز النجاعة والفعالية والرفع من جودة تفعيل البرامج والمشاريع التنموية، وعاملا أساسيا لتحقيق الانسجام بين السياسات العمومية، وشرطا لنجاعة الحكامة الترابية وتحقيق التنمية المستدامة.
ثالثا: المقاربة التشاركية والتي كرسها دستور 2011 والذي نص على إشراك المواطنات والمواطنين في تدبير الشأن الترابي، ولقد نص الفصل 139 من الدستور على أن تضع مجالس الجهات، والجماعات الترابية الأخرى، آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، كما يمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات، حسب الفصل نفسه، تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله.
إن تكريس البعد الاقتصادي للجهوية المتقدمة يتطلب أيضا تسريع تنزيل اللاتمركز الإداري، وتعزيز الحكامة الترابية الجيدة، وتظل الجهوية المتقدمة ورشا إصلاحيا يتطور بصفة تدريجية ويستدعي الاستمرارية كي تقوم الجهة بأدوارها التنموية.




