بوجدور.. “المقهى الأدبي” في نسخته السادسة: مختبر فكري لتفكيك الإرث الكولونيالي واستعادة بريق الذاكرة الحسانية

متابعة : سمير الرابحي
لم يكن “المقهى الأدبي والثقافي” ببوجدور في دورته السادسة مجرد موعد عابر في الأجندة الرمضانية للإقليم، بل تحوّل، مساء السبت 07 مارس 2026، إلى منصة معرفية رصينة ومختبر فكري يسعى للإجابة عن أسئلة الهوية والتاريخ. الدورة التي احتفى خلالها “مركز خبرة الصحراء للتوثيق والدراسات” بالراحل إبراهيم السالم ولد أحمد مسكة، رفعت سقف التحدي الأكاديمي عبر مقاربة موضوع شائك ومحوري: “الثقافة الحسانية في الدراسات الكولونيالية”.

في قاعة غصّت بالحضور النوعي بالمركز الثقافي، وبحضور السيد الكاتب العام لعمالة إقليم بوجدور والوفد الرسمي المرافق له، انطلقت الفعاليات بشراكة استراتيجية مع المديرية الجهوية للثقافة بجهة العيون الساقية الحمراء. اختيار اسم الراحل “ولد أحمد مسكة” لهذه الدورة لم يكن اعتباطياً، بل كان تجسيداً لـ “ثقافة الاعتراف” التي دأب المركز على ترسيخها، احتفاءً برجل نذر حياته لخدمة العلم وصون الذاكرة الوطنية والحسانية.

شكلت الندوة العلمية جوهر هذا اللقاء، حيث انبرى ثلة من الأساتذة والباحثين المتخصصين لتشريح “النظرة الكولونيالية” للمجال الصحراوي. وقد ركزت المداخلات على محاور مفصلية:

●نقد السردية الكولونيالية: كيف تعامل الأنثروبولوجيون والرحالة الأجانب مع “الإنسان الصحراوي”؟ وكيف تم توظيف المعرفة لخدمة المشروع التوسعي؟

● الذاكرة في مواجهة التنميط: استنطق المشاركون الذاكرة الحسانية الأصيلة للرد على التشويهات أو الاختزالات التي طالت البنيات السوسيولوجية والقبلية في الكتابات الأجنبية القديمة.

● المقاربة المتعددة الأبعاد: تراوحت المداخلات بين النقد الأدبي للنصوص الكولونيالية، والتحليل السوسيولوجي للتحولات المجتمعية، والتوثيق التاريخي الذي يعيد ترتيب الحقائق وفق رؤية وطنية موضوعية.

تفاعل حيوي وتوصيات استشرافية
لم يقتصر الحدث على الجانب “المنبري”، بل فتح المقهى الأدبي آفاقاً للنقاش الحر، حيث تفاعل الجمهور الواعي من فاعلين مدنيين وطلبة باحثين مع الطروحات المقدمة. هذا النقاش أفرز “خارطة طريق” ثقافية تضمنتها توصيات الدورة، والتي دعت في مجملها إلى:

● مأسسة البحث في التراث الحساني عبر خلق مرصد إقليمي للتوثيق.
● ترجمة الأعمال الكولونيالية ونقدها علمياً لتمكين الأجيال الصاعدة من فهم تاريخ المنطقة بعيون نقدية.
● الاستثمار في الرأسمال اللامادي كرافعة للتنمية المحلية بجهة العيون الساقية الحمراء.

اختُتمت الدورة بلحظات تكريمية مؤثرة، توجت بتلاوة برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى السدة العالية بالله، جلالة الملك محمد السادس نصره الله. إن نجاح هذه الدورة يؤكد أن بوجدور باتت رقماً صعباً في المعادلة الثقافية الوطنية، وأن “المقهى الأدبي” قد تحول من نشاط محلي إلى مؤسسة فكرية تساهم بفعالية في صيانة الهوية المغربية بروافدها المتعددة، وعلى رأسها الرافد الحساني.





