مجتمع

ما وراء جولة مُسعَد بُولس: “هيكلة” السيادة الفاعلة وتفكيك عُقد الجمود الإقليمي

 

بقلم : البراق شادي عبد السلام

 

تتحرك الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة حاليا عبر قنوات تتجاوز الأطر التقليدية، حيث تبرز جولة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، كحدث محوري يثير تساؤلات عديدة حول ملامح الاستراتيجية القادمة. تمثل هذه التحركات محاولة لربط الملفات الاقتصادية بالرهانات الجيوسياسية ضمن رؤية تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها سلة إقليمية واحدة متداخلة المصالح. شملت الجولة محطات بدأت من أبو ظبي و الرياض والقاهرة لتنسيق الجهود بشأن التطورات الإقليمية و بشكل خاص الأزمة السودانية، وانتقلت إلى طرابلس وبنغازي لبحث ملف الطاقة والاستقرار السياسي في ليبيا، قبل أن تشمل تونس وتخلص إلى زيارة ثانية تجاه الجزائر.

 

وتضع هذه التحركات المنطقة أمام مشهد يتسم بمحاولة هندسة تسويات جديدة تعتمد على الواقعية السياسية، مع بقاء خيوط التواصل ممدودة تجاه نواكشوط، والتعويل على مكانة الرباط العاصمة كطرف وازن وضامن للاستقرار الإقليمي، مما يجعل من نتائج هذه الزيارات مؤشرا على طبيعة الدور الذي ترغب واشنطن في لعبه خلال المرحلة المقبلة.

حيث تجسد محطة أبو ظبي و الرياض و القاهرة الرغبة في بناء “مركز ثقل” عربي يضبط إيقاع الأزمات الممتدة من القرن الإفريقي إلى العمق العربي. ويمثل الانتقال من هذه العواصم نحو ملف السودان محاولة لاستثمار النفوذ الإماراتي و المصري والسعودي في خلق توازن ينهي حالة الاستقطاب العسكري. حيث تنظر واشنطن إلى هذا التنسيق كمدخل لتأمين الممرات الملاحية الدولية، وربط الاستقرار الإقليمي بمشاريع التنمية الاقتصادية العابرة للحدود، مما يمنح هذه الجولة صبغة “الوساطة الفاعلة” التي تجمع بين الأمن و السلام والازدهار.

 

وفي المحور الليبي، تبرز زيارة طرابلس وبنغازي كخطوة عملية لفك الارتباط بين الأطراف المحلية والقوى الدولية المنافسة. وتهدف هذه التحركات إلى تحويل ليبيا من ساحة للصراع إلى شريك طاقي موثوق يسهم في استقرار أسواق النفط العالمية. ويمثل الجلوس مع الفاعلين في الشرق والغرب سعيا لفرض “اتفاق إطاري” يوحد البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ويفتح الطريق أمام الشركات الأمريكية للقيام بدور ريادي في إعادة الإعمار، مما يعيد تموضع واشنطن كلاعب أساسي في ملفات جنوب المتوسط.

 

أما في تونس والجزائر، فتأخذ الجولة طابعا أمنيا بامتياز، حيث يتركز الحوار على مكافحة التهديدات العابرة للحدود في منطقة الساحل. ويمثل التواجد الأمريكي في الجزائر محاولة لدمج هذه القوة الإقليمية في ترتيبات أمنية أوسع تضمن استقرار الجوار الليبي والمالي. وتظهر هذه المباحثات حرص مسعد بولس على خلق “تكامل أمني” يربط دول الشمال الإفريقي بمنظومة الرصد والدفاع الأمريكية، مع السعي لتقليص مساحات التوتر التي تستغلها الجماعات المسلحة والقوى الموازية و الجماعات الإنفصالية في الصحراء الكبرى.

 

ويتوج هذا المسار عبر التعويل على الرباط العاصمة كمنصة انطلاق نحو إفريقيا والشرق الأوسط، حيث يوفر “مجلس السلام” الإطار المؤسسي لهذه الطموحات. ويمثل التنسيق مع المغرب ضمانة لاستمرارية هذه التسويات بفضل الخبرة الدبلوماسية المغربية في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة، مثل الوساطة في ليبيا وجهود دعم الاستقرار في مالي و المبادرات الهيكلية المغربية إتجاه دول الساحل . حيث يشكل هذا الدور المغربي الواضح جسرا يربط بين طموحات واشنطن في بناء سلام إقليمي و التحديات الميدانية، مما يحول جولة بولس من مجموع زيارات استطلاعية إلى رؤية استراتيجية بناءة تهدف إلى صياغة واقع إقليمي جديد يعتمد على الشراكات القوية والمصالح المتبادلة.

 

في نفس السياق تتبوأ العاصمة الرباط مكانة حجر الزاوية في الرؤية الأمريكية المتجددة لإدارة أزمات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يعكس حضور المغرب في “مجلس السلام” كعضو مؤسس تحولا استراتيجيا نحو مأسسة الدور المغربي كقوة استقرار إقليمية؛ إذ يستمد هذا المجلس، الذي انطلق رسميا في يناير 2026، فاعليته وقوته التنفيذية من مخرجات قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي يمثل ثورة في العمل الدبلوماسي عبر تكريس مفهوم “الواقعية السياسية” ومنح القوى الوازنة صلاحيات أوسع لصياغة حلول مستدامة للملفات المعقدة ، حيث يبرز الدور المحوري للمملكة في قدرتها الفريدة على المزاوجة بين مقتضيات السلام الإقليمي والالتزام المبدئي بمواقفها الراسخة تجاه القضية الفلسطينية؛ فالمغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، يظل المدافع الأصيل عن الحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، بما يضمن استقرارا شاملا وعادلا. فهذا المزيج بين الواقعية السياسية والمبدئية الأخلاقية هو ما يمنح العاصمة الرباط “شرعية الوسيط” والجسر الموثوق بين القوى العظمى والفاعلين المحليين، مما يجعلها شريكا أصيلا في هندسة الخرائط السياسية الجديدة التي تقودها الإدارة الأمريكية من خلال رؤية مسعد بولس للأمن الإقليمي ، و لضمان تنفيذ مخرجات القرار الأممي 2803 برؤية تحترم السيادة الوطنية وتلبي تطلعات الشعوب في الأمن والازدهار.

 

وهنا من المهم التأكيد على معطى له أهميته بمكان، وهو أن مسعد بولس يتحرك في هذه الجولة الإقليمية، وبشكل خاص في اللقاءات مع الأطراف الفاعلة في ملف الصحراء المغربية، وفق سقف سياسي واضح المعالم، يؤطره الاعتراف الأمريكي الصريح بالسيادة المغربية الكاملة على الأقاليم الجنوبية. حيث تنطلق الرؤية الأمريكية من الإقرار بالسيادة المغربية على الصحراء من الحدود الموريتانية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، والتأكيد على وحدة الأراضي المغربية من طنجة شمالا إلى الكويرة جنوبا. وفي هذا السياق، يبرز الالتزام الأمريكي والمغربي الثابت بمخرجات قرارات مجلس الأمن الدولي، وبشكل خاص القرار 2797 ، كإطار قانوني ودولي يؤكد سمو المبادرة المغربية ويحث الأطراف على الانخراط في عملية سياسية تتسم بالواقعية والتوافق تحترم السيادة المغربية الغير قابلة للتفاوض .

 

ومع ذلك، فإن هذا الزخم الدبلوماسي الأمريكي الطموح يواجه تحديا بنيويا يتمثل في “تكلس” المواقف الجزائرية إزاء القضايا الإقليمية المُلحة؛ حيث لا تزال السياسات الخارجية للنظام الجزائري حبيسة مقاربات تقليدية تتسم بالعدائية تجاه دول الجوار، مما يعيق فرص الاندماج الإقليمي. حيث يظهر هذا الانسداد في غياب رؤية جزائرية واضحة أو مبادرات إقليمية ملموسة لبناء سلام دائم ينطلق من المرجعيات الأممية والدولية الحديثة.

 

ولا يقف التحدي عند حدود الجمود السياسي، بل يتجاوزه إلى ما يمكن وصفه بـ “الدبلوماسية الهجومية” التي تنتهجها الجزائر، والتي تجد تعبيرها الصارخ في سلسلة التصريحات العدائية المتكررة لوزير الخارجية الجزائري السيد أحمد عطاف ، هذه التصريحات تكرس نهجا تصعيديا يهدف إلى تقويض جهود الاستقرار الإقليمي بدلا من دعمها، وتؤكد إصرار النظام على المقامرة بمستقبل المنطقة عبر استحضار لغة الصراع و المؤامرات في زمن الوساطات الكبرى و التكتلات الإقليمية الفاعلة. وبذلك، تصطدم مشاريع التنمية والأمن العابرة للحدود بجدار من الحسابات الجيوسياسية الضيقة التي تفتقر لروح الواقعية السياسية الضرورية لتجاوز أزمات القرن الحادي والعشرين.

 

على ضوء ما سبق و من خلال تحليل و رصد تحركات مسعد بولس الإقليمية فمن الواضح أن الدبلوماسية الأمريكية تتبنى في المرحلة الراهنة استراتيجية “تصفير المشاكل” كركيزة جوهرية لإعادة صياغة التوازنات في المنطقة؛ وهي مقاربة تسعى إلى إنهاء بؤر النزاع التقليدية التي استنزفت الفرص التتموية الإقليمية لعقود، واستبدالها بشبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية المترابطة. حيث تهدف هذه الرؤية إلى تحويل المنطقة من ساحة للتجاذبات السياسية و الصراعات المسلحة إلى قطب اقتصادي مستقر، حيث يمثل خيار “تصفير الأزمات” في غزة و السودان وليبيا والساحل مدخلا ضروريا لضمان تدفق الاستثمارات وحماية الممرات الملاحية الحيوية.

 

وفي هذا الإطار، تبرز القناعة الأمريكية بأن حل ملف النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية يمر أساسا عبر اتفاق سلام إقليمي شامل بمشاركة كل الأطراف. هذا السلام يتجاوز الحلول الجزئية ليضع القضية في سياقها الأوسع كضمانة لاستقرار الجناح الغربي لشمال إفريقيا ومنطقة الساحل. حيث تعتبر واشنطن أن ترسيخ السيادة المغربية الكاملة على الأقاليم الجنوبية يمثل حجر الزاوية في هذا الاتفاق الشامل، كونه ينهي بشكل نهائي مع المشاريع الانفصالية التي تهدد وحدة الدول، ويفتح الطريق أمام اندماج اقتصادي أطلسي يربط إفريقيا بالعالم.

 

وتتجسد هذه الرؤية عبر ثلاث ركائز أساسية:

 

– أولا مأسسة الاستقرار: عبر دعم كيانات مثل “مجلس السلام” ليكون المظلة القانونية والسياسية التي تمنح القوى الإقليمية الوازنة، كالمغرب والسعودية و الإمارات و مصر، قيادة الحلول المحلية تحت غطاء دولي وقرارات أممية واضحة كالقرار 2803.

 

– ثانيا الواقعية الجيوسياسية: وهي المقاربة التي تتبناها واشنطن في ملف الصحراء المغربية، حيث انتقلت من “إدارة النزاع” إلى “دعم السيادة” كشرط أصيل لإرساء نظام أمني قاري متماسك يمتد من المتوسط إلى عمق الساحل والصحراء.

 

– ثالثا تحييد القوى المعطلة : عبر ممارسة ضغوط دبلوماسية لدفع الأطراف المتمسكة بمنطق “الحرب الباردة” في تدبير الازمات نحو الانخراط في الدينامية الجديدة، أو عزل خياراتها التصعيدية التي تتناقض مع متطلبات الأمن القومي الأمريكي ومصالح الحلفاء الاستراتيجيين.

 

على سبيل الختم، يظهر جليا أن جولة مسعد بولس تعكس استراتيجية أمريكية جديدة تربط أمن العالم بـ “تصفير مشاكل” المنطقة ودمج الأمن بالاقتصاد كضرورة حتمية. و بالتالي فنجاح الشراكة مع الرباط وفق مخرجات القرارين 2803 و2797 يمثل النموذج المعياري الذي تراهن واشنطن على تعميمه لضمان مصالحها الكونية من خلال بوابات الاستقرار المحلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى