غزوة بدر الكبرى: حينما يتحول الحب والولاء إلى نصر

كتبه: د. يوسف الحزيمري
تعد معركة بدر الكبرى من المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام، التي قلبت الموازين الحربية في العدة والعدد، وأثبتت أن النصر من عند الله، ففيها انتصر الحق على الباطل، وسماها القرآن الكريم بيوم الفرقان؛ أي يوم النصر، حيث نصر الله نبيّه وهزم عدوّه.
وهذه الغزوة تعد منجما غنيا لاستخراج الفوائد والعبر على شتى المستويات، وقد أسالت العديد من المداد للباحثين والدارسين في السيرة النبوية.
ونقف اليوم بمناسبة ذكرى هذه الغزوة التي توافق السابع عشر من رمضان مع واحدة من هذه الفوائد العظيمة، وهي قصة سواد بن غزية مع الرسول ، والتي ترد في كتب السير والمغازي تحت عنوان: “ضرب الرسول ابن غزية” أو”ابْنُ غَزِيَّةَ وَضَرْبُ الرَّسُولِ لَهُ فِي بَطْنِهِ بِالْقَدَحِ” أو”تقبيل سواد بن غُزيَّة بطنه عليه السلام يوم بدر”.
وقصة سواد بن غزية رضي الله عنه مع النبي ﷺ في غزوة بدر ليست مجرد موقف عابر، بل هي مدرسة متكاملة في التربية والقيادة والمحبة.
وقبل عرض نص هذه القصة نود الإشارة إلى ملمح عظيم في التنظيم والقيادة والذي كان سببا لبروز هذه القصة، ذلك أن «أول ما اتجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في تنظيم جيشه جعله صفوفا متتالية أمام العدو، وذلك امتثالا لقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] .
فهذا توجيه من الله تعالى في القيادة إلى أن يصف الجنود صفوفا، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى يبين القرآن الكريم بعمله، وقوله.
وفي أوّل معركة في الحرب النبوية كانت بدرا الكبرى، فطبق صلى الله عليه وسلم نظام الصف الذى يحبه الله سبحانه وتعالى»[1].
ففي سيرة ابن هشام: “قال ابن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية – حليف بني عدي بن النجار – وهو مستنتل من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: ” استو يا سواد “، فقال: يا رسول الله! أوجعتني و قد بعثك الله بالحق و العدل، فأقدني. قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: “استقد”، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: “ما حملك على هذا يا سواد؟” قال: يا رسول الله! حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك: أن يمس جلدي جلدك! فدعا له رسول الله بخير، و قال له خيرا”[2].
هذه هي القصة، والقدح: السهم، ومستنتل من الصف: أي متقدم، وفي رواية مستنصل؛ ومعناها خارج من الصف، وأقدني: أي اقتص لي من نفسك.
«وَسَوَادٌ هَذَا هُوَ عَامِلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى خَيْبَرَ الّذِي جَاءَهُ بِتَمْرِ جَنِيبٍ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطّأِ وَلَمْ يُسَمّهِ»[3].
ويستدل بهذه القصة على عظيم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه القائد العظيم تواضع لجندي من أجناده، وكشف له عن بطنه ليقتص منه، فـ: «تصوروا هذه المشهدة، قائد الجيش يجابهه جندي عادي بهذا الكلام، ماذا ترونه صانعا به؟ يؤدبه؟ يعرض عنه؟ أو تبلغ به سماحة الصدر ونبالة الطبع، فيسامحه ويعفو عنه؟ أو يزيد على الغاية فيقول: “عفوا أنا أعتذر إليك”؟.
أما رسول الله فقد صنع شيئاً لا يصنعه أحد، ولا يخطر على بال أحد، كشف له عن بطنه وأعطاه القدح، وقال له: “استقد! “، أي: أوجعني كما أوجعتك.
أقاد من نفسه وهو سيد البشر.
هكذا كان محمد!»[4].
قال ابن رشد الجد رحمه الله: «وإقادة النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي طعنه بالقدح من نفسه تواضعاً منه لله بأن أعطى من نفسه ما لم يجب عليه، إذ لم يفعل به إلا ما كان له أن يفعله به، لمخالفته ما كان قد علمه من أمره والله أعلم. لكنه لما قال له: قدْ أوجعتني خشي أن يكون قد تجاوز القدر الذي كان أراده خطأً منه. والخطأ ليس بمسئول عنه، فتنحى من ذلك بالِإقادة من نفسه تطوعاً من غير أن يجب ذلك عليه صلى الله عليه وسلم.»[5].
فتجلى في هذه القصة كمال العدل والتواضع النبوي وذلك بخضوع القائد للحق الذي لم يمنعه مقامه كنبي وقائد جيش من الامتثال لطلب رجل من عامة الجنود يريد “القصاص”.
فأرسى بذلك مبدأ المساواة، حيث لم يقل النبي ﷺ “أنا القائد وأنا أؤدبك”، بل كشف عن بطنه الشريف ليُمكّنه من أخذ حقه، مما يعلمنا أن لا أحد فوق القانون أو الحق.
كما برز فيها القيادة العسكرية الحازمة والرحيمة، بالحرص على أهمية التنظيم: “عَدَلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ” تدل على أن تسوية الصفوف وإتقان التنظيم من أسباب النصر، حتى في أصعب الظروف.
وكذا الرفق بالرعية: رغم حزمه في التنظيم، إلا أن النبي ﷺ لم يغضب من مطالبة سواد بحقه، بل استجاب له بكل سعة صدر.
وأيضا دلت القصة على شدة محبة الصحابة للنبي ﷺ، وظهر فيها ذكاء الصحابة رضوان الله عليهم في التعبير عن هذا الحب، فسواد رضي الله عنه استخدم “الحيلة” ليتمكن من ملامسة جسد النبي ﷺ؛ لأنه استشعر قُرب الأجل (الشهادة)، فأراد أن يكون آخر عهده بالدنيا هو النبي ﷺ.
وأيضا دلت على التبرك بجسده الشريف: فإقرار النبي ﷺ لسواد حين قبّل بطنه يدل على مشروعية محبته والتماس البركة بآثاره ﷺ.
ومما يستفاد من القصة أيضا، الصدق والشفافية والوضوح في الدافع: عندما سأله النبي ﷺ “ما حملك على هذا؟”، أجاب سواد بصدق ودون خجل عن مشاعره وخوفه من القتل ورغبته في القرب، وهذا يعكس بيئة الصدق التي رباهم عليها النبي ﷺ.
ومن الفوائد التربوية والاجتماعية في القصة جواز المطالبة بالحق، فالمظلوم له الحق في أن يطلب القصاص أو العوض مهما كان شأن الظالم، وسواد لم يمنعه حياؤه من طلب حقه.
وأيضا الدعاء بالخير، فقد ختم النبي ﷺ الموقف بالدعاء لسواد، وهذا يعلمنا أن نقابل العاطفة الصادقة بالدعاء والتقدير.
وعموما فهذه القصة وأمثالها وشواهدها تجسد “الإنسانية” في أبهى صورها؛ حيث تلتقي هيبة القيادة برقة النبوة، وتلتقي طاعة الجندي بمحبة العاشق لنبيه.
الهوامش:
1. «خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم»، لمحمد أبو زهرة (2/ 559)
2. «سيرة ابن هشام – ت السقا ورفاقه» (1/ 626)، قال الألباني في ” السلسلة الصحيحة» الجزء رقم 6» الصفحة رقم 808″ أخرجه ابن إسحاق في ” السيرة ” (2/ 266 – سيرة ابن هشام) و من طريقه أبو نعيم في ” معرفة الصحابة ” (ق 303/ 1) و ابن الأثير في ” أسد الغابة ” (2 /332)….، فذكره. قلت: و هذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى لأن الأشياخ من قوم حبان من الأنصار، فإن كانوا من الصحابة فلا إشكال، و إن كانوا من التابعين فهم من كبارهم، لأن حبان تابعي من الخامسة عند الحافظ، و هم جمع لا يضر جهالتهم كما هو معروف عند أهل العلم. وروايتهم لهذه القصة تدل على أنها كانت مشهورة عندهم، متداولة بينهم. وقد ذكر لها الحافظ في ” الإصابة ” شاهدا من مرسل جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخطى بعرجون، فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري.. فذكر القصة. قلت: وأخرجها ابن سعد في ترجمة سواد بن غزية (3/ 516 – 517) بسند صحيح عن الحسن مرسلا بلفظ: ” رأى سواد بن عمرو..” قال ابن سعد: هكذا قال إسماعيل. يعني ابن علية. ومال الحافظ إلى تعدد القصة. والله أعلم “.
3. «الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي- ت السلامي (581)» (5/ 84)
4. «تعريف عام بدين الإسلام»، لعلي الطنطاوي،(ص179)
5. «البيان والتحصيل»، لابن رشد الجد، (17/ 238)




