النكوص السياسي بين تحديات الداخل وتحولات الخارج: جهة سوس ماسة نموذجا

بقلم : الدكتور جمال العزيز
تقاس قوة الدول بقدراتها الإقتصادية و موقعها الجيوسياسي و كذلك بمدى حيوية حقلها السياسي وقدرته على إنتاج نخب قادرة على مواكبة التنمية داخليا وخارجيا. غير أن المتأمل في بعض الممارسات داخل المشهد السياسي المغربي، خصوصا بجهة سوس ماسة، يلاحظ مؤشرات مقلقة لما يمكن تسميته بالنكوص السياسي ؛ أي التراجع عن الأدوار التأطيرية الحقيقية للأحزاب، والإنزلاق نحو تدبير موسمي يغيب عنه النفس الإصلاحي العميق.
لقد كانت الأحزاب السياسية تاريخيا مدارس للتأطير والتكوين السياسي، وجسورا لربط الدولة بالمجتمع. غير أن هذا الدور عرف في بعض الأحيان تراجعا ملحوظا، حيث تحولت بعض الفضاءات الحزبية إلى هياكل شكلية، لا تنتج نقاشا عموميا حقيقيا، ولا تواكب التوجهات الكبرى للدولة في بعدها الإستراتيجي. وهو ما ساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تعميق ظاهرة العزوف السياسي، خاصة لدى فئة الشباب التي تبحث عن ممارسة سياسية ذات مصداقية.
إن جهة سوس ماسة، بما تحمله من مؤهلات اقتصادية وسياحية وبشرية، تمثل نموذجا دالا على هذا التحدي. فالإمكانيات المتاحة لا توازي دائما مستوى الفعل السياسي المطلوب، ما يطرح سؤالا جوهريا حول قدرة النخب على الإرتقاء إلى مستوى الرهانات التنموية الكبرى، وعلى رأسها ملاءمة برامج التنمية الترابية المندمجة مع خصوصيات الجهة وانتظارات ساكنتها.
وفي سياق دولي متوتر يتسم بسياسة اللايقين، خاصة مع التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، تزداد الحاجة إلى جبهة داخلية متماسكة، قائمة على الثقة في المؤسسات وعلى حقل سياسي ناضج. فارتفاع أسعار البترول، وتداعيات الأزمات الدولية عوامل مؤثرة في الإستقرار الإجتماعي والسياسي للدول، مما يفرض يقظة سياسية ورؤية استباقية.
إن المغرب، في هذا السياق، راكم تجربة متميزة قائمة على الإستقرار والإصلاح التدريجي، غير أن الحفاظ على هذا المسار يظل رهينا بقدرة الفاعلين السياسيين على تجديد أدوات اشتغالهم، والإنخراط في منطق الدولة(بعيدا عن المواقع). فالتحديات القادمة تستدعي التأسيس لسياسات عمومية مبتكرة تستجيب لتطلعات مغرب المستقبل.
وعلى بعد أشهر قليلة من الإستحقاقات التشريعية، يصبح من الضروري طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام تنافس سياسي يعكس حيوية ديمقراطية حقيقية، أم مجرد إعادة إنتاج لنفس الأنماط التي عمقت فجوة الثقة بين المواطن والعمل السياسي؟
لقد حان الوقت لإطلاق نفس ديمقراطي حقيقي، يساهم فيه الجميع: أحزابا سياسية تعود إلى دورها التأطيري، ومؤسسات تعزز الحكامة والشفافية، ومجتمعا مدنيا فاعلا ورياديا لمواكبة التحولات والمساهمة في صياغة الحلول.
إن إعادة بناء الثقة في المؤسسات تمر عبر ممارسات سياسية مسؤولة، قوامها الوضوح و القرب من المواطن والقدرة على الإنصات لانتظاراته. كما أن ملاءمة برامج التنمية الترابية المندمجة مع واقع الجهات، وخاصة جهة سوس ماسة، يظل مدخلا أساسيا لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
وفي سياق إعادة الإعتبار للنقاش العمومي، يبرز دور الإعلام كفاعل محوري في إحياء الدينامية الديمقراطية، من خلال مواكبة التحولات المجتمعية والتعبير عن نبض فئات واسعة، وعلى رأسها جيل الشباب. فالإعلام اليوم مدعو إلى تجديد لغته وأدواته، والإنخراط في نفس تواصلي حديث ومستمر يواكب تعبيرات جيل Z، بما يحمله من وعي رقمي وجرأة وسرعة في التفاعل . إن الإعلام المحايد يشكل رافعة أساسية لإعادة الثقة في الفعل السياسي وإحياء النقاش العمومي بروح نقدية مسؤولة.
إن ما تعيشه جهة سوس ماسة يتطلب إعادة ترتيب الأولويات السياسية والمؤسساتية. فبين رهانات التنمية وتحديات الإصلاح وضغوط التحولات الدولية، يتأكد أن اللحظة السياسية الراهنة تفرض الإعداد للإنتقال إلى منطق الإبتكار السياسي القائم على الفعالية والنتائج.
إن التحدي اليوم في كسب ثقة المواطنين و القدرة على تنزيل البرامج بجرأة ومسؤولية ؛ لتوجيه السياسات العمومية نحو تحقيق مغرب المستقبل، مغرب الإنصاف المجالي والعدالة الإجتماعية والتنمية المستدامة ، وتعزيز مصداقية المؤسسات.




