مجتمع

بيغاسوس: بروباغندا التضليل العابرة للحدود لابتزاز القرار السيادي المغربي

 

بقلم : البَرَّاق شادي عبد السلام

 

– تشكل الهجمات الاعلامية المنسقة ضد المغرب حلقة في مسلسل الحروب الهجينة، التي تستهدف فرملة صعود المملكة كقوة اقليمية تفرض نديتها الاستراتيجية وتنافس في ميادين الامن والاقتصاد.

 

– يسقط ادعاء ائتلافات التشهير امام انعدام الحجة المادية والقرينة الجنائية، مما يحول تقاريرهم الى منشورات تفتقر للمصداقية العلمية وتتجاهل ابسط معايير الفحص التقني المستقل.

 

– يستهدف توجيه سهام البروباغندا نحو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمحيط الملكي محاولة لضرب الركائز الامنية للمملكة، الا ان ثبات المؤسسات الوطنية ونجاعتها الامنية افشل هذه المساعي.

 

– تندرج ملفات القضايا الجنائية ضمن اختصاص القضاء المغربي المستقل، وتفكيك محاولات تسييس احكام الحق العام يكشف زيف ادعاءات الاضطهاد السياسي التي تروج لها جهات خارجية.

 

– تتبع هندسة التمويل هو المفتاح لفهم هذه الحملات الإعلامية؛ فالمال هو المحرك الخفي للأجندات السياسية، وفي ظل الجيوسياسية المعاصرة، تحولت المنح الموجهة لبعض المنظمات غير الحكومية إلى “سلاح ناعم” لزعزعة استقرار الدول الصاعدة

 

– يزعج صعود المغرب كفاعل دولي مستقل ومؤثر خصوما يقتاتون على منطق الوصاية، مما يدفعهم لتوظيف ورقة الخصوصية الرقمية كوسيلة ضغط دبلوماسي فاشلة امام القرار السيادي للمغرب

 

– يمثل تطوير الترسانة السيبرانية المغربية ضرورة قصوى لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، حيث تفرض المملكة قواعد لعبها الخاصة في الفضاء الرقمي وتنتزع اعتراف الشركاء بموثوقيتها الامنية.

 

– تؤكد الاحكام القضائية الصادرة في باريس ومدريد براءة المؤسسات المغربية من تهم التجسس، وتثبت عجز اعداء النجاح عن تقديم دليل واحد امام المحاكم الدولية التي تفصل بالوثائق لا بالاشاعات.

 

تشهد الساحة الدولية في السنوات الاخيرة تحولا جذريا في طبيعة الصراعات، حيث انتقلت المواجهات من طابعها التقليدي الى فضاءات “الحروب الهجينة” التي توظف فيها التكنولوجيا، والبروباغندا الرقمية، والتسريبات الممنهجة كادوات متطورة للضغط السياسي والابتزاز الدبلوماسي. وفي هذا السياق المتوتر، برزت سلسلة من الحملات الاعلامية المنظمة والشرسة التي تقودها منصات اجنبية وائتلافات صحفية مسيسة – وفي مقدمتها منظمة “Forbidden Stories” وبعض الدوائر الاعلامية الغربية الموجهة – والتي جعلت من المملكة المغربية، ومؤسساتها السيادية، هدفا ثابتا لتقارير تفتقر الى ادنى المعايير المهنية والمصداقية العلمية. ان التدقيق في طبيعة هذه التقارير، وتوقيت نشرها المتزامن مع محطات دبلوماسية فارقة للمملكة، يكشف بشكل قاطع انها لا تمثل عملا صحفيا استقصائيا مجردا يبتغي الحقيقة، بل هي اسلحة رقمية ضمن استراتيجية اوسع تهدف الى تشويه السمعة الدولية للمغرب وفرملة صعوده الاقليمي.

 

تتاسس هذه الحملات المضللة على صناعة سرديات وهمية حول قضايا التجسس الرقمي واختراق الهواتف (مثل قضية “بيغاسوس”)، مستغلة تعقيد الملفات التكنولوجية لتمرير ادعاءات فضفاضة ومصطلحات سينمائية مبنية على لغة التخمين والاسماء المستعارة والروايات المفبركة. وتكمن خطورة هذه البروباغندا في محاولتها الالتفاف على القنوات القانونية والقضائية؛ حيث تعجز هذه المنصات – ومن يقف وراءها من منظمات شريكة مثل “منظمة العفو الدولية” – عن تقديم دليل مادي واحد، او شريحة بيانات رقمية جنائية معتمدة وقابلة للفحص من طرف لجان علمية مستقلة او محاكم دولية. ان هذا التهافت المنهجي، المقرون برفض تقديم الاثباتات، يحول هذه المنشورات من طابع “التقارير الحقوقية” الى منشورات “بروبوغندا سوداء” تخدم اجندات خفية لقوى اقليمية منافسة وجهات غربية تقليدية باتت تزعجها الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة، وتنامي دورها كقوة ندية ترفض التبعية وتصيغ تحالفاتها بناء على المصالح المشتركة والسيادة الكاملة.

 

بناء على هذا السياق، لتفكيك الخلفيات الحقيقية لهذه الهجمات الممنهجة، ودحض الاطروحات المضللة عبر تعريتها تكنولوجيا وقانونيا وسياسيا، وتسليط الضوء على مكامن الخلل في المنهجية التي اعتمدتها تلك المنصات الاجنبية. من خلال تجاوز القراءة السطحية للاحداث نحو سبر اغوار الاهداف الجيوسياسية للاطراف المحركة لهذه الحملات، وتبيان كيف يتم استخدام ملف “الخصوصية الرقمية وحقوق الانسان” كغطاء لابتزاز الدولة المغربية، ومحاولة ثنيها عن مواصلة نجاحاتها الدبلوماسية الكبرى، لاسيما في ملف الوحدة الترابية وتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في عمقها الافريقي والفضاء المتوسطي.

 

ان استهداف شخصيات سيادية كالمستشار الملكي السيد فؤاد عالي الهمة و مؤسسات سيادية كالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) و كفاءاتها الأمنية المشهود لها وطنيا و دوليا بالمهنية لا يمثل حدثا معزولا او صدفة عابرة، بل هو استهداف مقصود وممنهج لـ “الدرع السيادي و الأمني” للمملكة. فالنجاعة المشهود بها عالميا للاجهزة الامنية المغربية في مكافحة الارهاب، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، نجحت في تحويل المغرب الى واحة للاستقرار والريادة الامنية وسط محيط اقليمي مضطرب. ومن هنا، فان محاولة شيطنة هذه المؤسسات السيادية عبر تقارير وهمية تسعى اساسا الى اضعاف هذا الحصن المنيع، وهز ثقة الشركاء الدوليين في موثوقية الاجهزة المغربية، وضرب الجبهة الداخلية؛ وهي مؤامرة سقطت اقنعتها امام “الثبات الانفعالي” للمؤسسات المغربية، والردود القانونية الحازمة للمملكة، وصمود وعي المجتمع المغربي و إلتفافه حول المؤسسة الملكية الضامن الأول و الأخير لإستقرار و أمن الوطن و المواطنين .

 

أولا : تهافت المنهج العلمي وافتقاد الأدلة المادية الدامغة

 

إن التدقيق العلمي والقانوني المعمق في المادة التحريرية والتقنية التي بُنيت عليها تقارير ائتلاف “Forbidden Stories” والمنظمات الدائرة في فلكه، يكشف بوضوح عن عوار منهجي قاتل وافتقار مطلق للأدلة المادية الدامغة، مما يهوي بهذه الادعاءات من مصاف “التحقيقات الاستقصائية الرصينة” إلى مجرد بروباغندا موجهة وسرديات افتراضية تفتقر لأبسط معايير البيّنة الجنائية الرقمية المعترف بها دولياً. وتتجلى الثغرة البنيوية الأولى في هذا الطرح الهش في الاعتماد الأعمى والحصري على مختبر تقني واحد تابع لجهة غير محايدة ولها مواقف سياسية مسبقة ضد مصالح المغرب، وهي منظمة العفو الدولية (Amnesty Tech)؛ حيث صِيغت الاستنتاجات الفضفاضة بناءً على فرضيات تكنولوجية جاهزة تم إسقاطها قسراً على البيانات، مع الإصرار الغريب والمستمر من طرف هذه المنظمات على رفض إخضاع ما سُمي “أدلة رقمية” أو شرائح بيانات جنائية للفحص المضاد والمعاينة المحايدة من طرف لجان علمية مستقلة، أو تقديمها بشكل رسمي وشفاف للهيئات القضائية المختصة.

 

هذا الإصرار المريب على إبقاء “الأدلة” داخل صندوق أسود مغلق يحرمها كلياً من أي شرعية علمية أو حُجية تقنية، ويلتقي مباشرة مع أسلوب تحريري مفضوح يعوض غياب الوثائق الرسمية، والمحاضر الملموسة، والفواتير الحقيقية، باعتماد لغة سينمائية تفيض بالإثارة الهوليودية ومصطلحات التخمين والظن والريب (من قبيل: “يُعتقد”، “من المرجح”، و”مصادر مطلعة لم تُسمّ”). إن نسج حكايات خيالية حول اسم الرمز “مورغان” والتفصيل في رحلات سرية عبر طائرات خاصة ودورات تدريبية وهمية خُصصت لمهندسين مغاربة، لا يعدو أن يكون محاولة بائسة لدغدغة عواطف القارئ، وصناعة رأي عام زائف، وملء الفراغ التوثيقي الفاضح الذي تعاني منه هذه الأطروحة منذ يومها الأول.

 

وتكتمل فصول هذا التهافت على المستوى القانوني والمؤسساتي الدولي؛ ففي الوقت الذي واجهت فيه المملكة المغربية هذه الحملة الشرسة بـ”ثبات انفعالي” ومؤسساتي لافت، يعكس ثقة الدولة في سلامة ونزاهة أجهزتها السيادية، بادرت الرباط فوراً وبشكل هجومي إلى طرق باب القضاء في كبريات العواصم الأوروبية مثل باريس ومدريد وبرلين، عبر رفع دعاوى قضائية مباشرة بتهم القذف والتشهير وافتعال الأكاذيب. وفي المقابل، عجزت هذه المنصات الإعلامية والمنظمات الحقوقية الشريكة لها عن تقديم شريحة بيانات واحدة أو حجة تكنولوجية ملموسة تؤكد ادعاءاتها أمام المحاكم الأوروبية، مما دفع القضاء في عدة دول – وعلى رأسها محكمة الاستئناف في فرنسا – إلى رفض وتفنيد تهم التجسس والقرصنة لغياب أي إثبات مادي قاطع. إن هذه المفارقة القانونية الصارخة تمثل صك براءة دولي للمملكة، وتؤكد بصيغة لا تقبل التأويل أن الطرف الذي يملك الحجة والبيّنة والشرعية المؤسساتية هو من يواجه بالعدالة والقانون (المغرب)، بينما يلوذ صانعو السرديات المضللة بالفرار وراء لافتات فضفاضة مثل “حصانة المصادر الصحفية” للتغطية على عجزهم التقني، وإفلاسهم الأخلاقي، وفشل مؤامرتهم الإعلامية ضد السيادة الرقمية المغربية.

 

ثانيا : تفكيك “الأجندة الجيوسياسية” وخلفيات التوقيت وسياقات الابتزاز

 

إن القراءة العميقة والمتبصرة للحملات الإعلامية المتكررة ضد المملكة المغربية تفرض بالضرورة تجاوز الشق التقني المفبرك نحو قراءة الدوافع الجيوسياسية وسياقاتها الزمنية؛ فالأحداث في العقيدة الاستخباراتية والإعلامية الموجهة لا تحدث مصادفة، بل تخضع لأجندات دقيقة ومدروسة. وتتجلى الخلفية الحقيقية لهذه الهجمات الممنهجة في التوقيت الحرج والمشبوه لصدور هذه التقارير، والتي تزامنت بشكل مريب مع محطات فارقة ونجاحات دبلوماسية تاريخية وغير مسبوقة حققها المغرب على الساحة الدولية. فكلما انتزعت المملكة اعترافاً دولياً وازناً بمغربية الصحراء من قوى عظمى، أو خطت خطوة استراتيجية نحو تنويع شراكاتها الدولية خارج الدوائر التقليدية، أو عمّقت اختراقها الاقتصادي والسياسي والتنموي في العمق الإفريقي عبر مشاريع مهيكلة وضخمة، إلا وتحركت هذه الآلة الإعلامية الغربية والمنصات المأجورة لافتعال أزمة “بيغاسوس” الرقمية. إن هذا الترابط الزمني الواضح يكشف أن الهدف الحقيقي ليس حماية الخصوصية، بل محاولة التشويش على المكتسبات السيادية للمملكة ومحاولة فرملة ديناميتها الدبلوماسية المتصاعدة.

 

وفي هذا الصدد، تبرز تقاطعات واضحة ومكشوفة بين الأطروحات التضليلية التي تروج لها منصة “Forbidden Stories” والجهات المستفيدة بشكل مباشر من هذه الشيطنة الممنهجة. وتأتي على رأس هؤلاء الخصوم قوى إقليمية، لاسيما النظام الجزائري، الذي وجد في هذه التقارير مادة دسمة لبروباغندا داخلية وخارجية يائسة تهدف إلى التغطية على إخفاقاته الدبلوماسية المتتالية، بالإضافة إلى دوائر معينة داخل بعض الدول الأوروبية التي تعاني من “عقدة” الصعود المغربي كقوة إقليمية ندّية ومستقلة. هذه الأطراف التقليدية، التي ألفت التعامل مع دول المنطقة بمنطق الوصاية والتبعية، بات يزعجها جداً مغرب القرن الحادي والعشرين؛ مغرب الندية الاستراتيجية، والجرأة في صياغة التحالفات، والريادة في قطاعات حيوية مثل الأمن، والطاقة المتجددة، واللوجستيك. ومن هنا، تلتقي مصالح خصوم الوحدة الترابية مع مصالح القوى التي تسعى لإبقاء المنطقة تحت رحمتها، في محاولة بائسة للنيل من السمعة الدولية للمملكة.

 

وتأسيساً على ذلك، يتم توظيف ورقة “حقوق الإنسان والخصوصية الرقمية” كـ”سلاح ناعم” ووسيلة ابتزاز جيوسياسي فجة تهدف بالأساس إلى الضغط على صانع القرار المغربي وتكبيل طموحه الاقتصادي والسياسي. إن تحويل ملفات الأمن الرقمي إلى أدوات للضغط الدبلوماسي هو أسلوب متجدد من أساليب “الحروب الهجينة”، حيث يُراد من وراء إثارة هذه الزوبعة الإعلامية وضع المغرب في موقع الدفاع عن النفس، واستهلاك جهده الدبلوماسي في تفنيد الأباطيل، وبالتالي فرملة مساره التنموي ومكانته الصاعدة كشريك موثوق ومحوري في الفضاءين المتوسطي والإفريقي. غير أن مناورات الابتزاز هاته تحطمت كلياً أمام صلابة الجبهة الداخلية للمملكة، ووعي نخبها، والثبات الانفعالي والدبلوماسي الذي أدارت به الدولة هذه الأزمة المفتعلة، مما جعل من هذه الحملات سلاحاً ارتد على صانعيه وكشف زيف شعاراتهم الإنسانية أمام الرأي العام الدولي.

 

ثالثا : دلالات إستهداف الريادة الأمنية المغربية

 

إن تفكيك السرديات المضللة التي روجتها منصات أجنبية منظمة يقودنا حتماً إلى فهم الهدف الجوهري والأكثر خطورة وراء هذه الحملات، وهو استهداف مكامن القوة والتميز في المنظومة الأمنية للمملكة المغربية التي تأسست دعائمها بفضل الرؤية الملكية المتبصرة للملك محمد السادس. لقد تحولت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، وفي طليعتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، إلى نموذج عالمي يُحتذى به بفضل التنزيل الدقيق لاستراتيجيات استباقية فائقة النجاعة في تفكيك الخلايا الإرهابية، دحر شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وإحباط مخططات الهجرة غير الشرعية، فضلاً عن كفاءتها العالية في كشف ومحاربة الجواسيس الفعليين. هذه النجاعة المشهود بها دولياً جعلت من المغرب شريكاً لا محيد عنه، وصمام أمان يضمن الاستقرار والسلم في منطقة شمال إفريقيا والساحل والفضاء الأورومتوسطي، وهو التميز الذي تحول مع الوقت إلى “عقدة” لدى الجهات المحركة للتقارير المضللة التي سعت جاهدة لتحويل هذا النجاح الباهر إلى مادة للتشكيك والشيطنة.

 

ويقترن هذا التفوق الأمني ببناء شبكة من الشراكات الدولية الموثوقة والوثيقة المبنية على الندية، الثقة المتبادلة، والمصالح المشتركة مع كبريات العواصم العالمية؛ من واشنطن إلى مدريد وباريس وغيرها من مراكز القرار الدولي. إن لجوء أجهزة استخبارات دولية كبرى وعريقة إلى التنسيق المستمر مع الأجهزة المغربية، والاعتماد على معلوماتها الدقيقة لحماية أمنها القومي، يعكس اعترافاً صريحاً بريادة وموثوقية المؤسسة الأمنية للمملكة. غير أن هذا التعاون الاستراتيجي عالي المستوى، وصعود المغرب كقوة أمنية ندية ترفض التبعية، بات يُزعج قوى تقليدية وجهات جيوسياسية معينة تريد بقاء المنطقة تحت وصايتها وهيمنتها. ومن ثم، فإن صناعة ملفات وهمية مثل قضية “بيغاسوس” وتوجيهها ضد الرباط لم تكن سوى محاولة بائسة لضرب أسس هذه الثقة الدولية، وزرع الشكوك بين المغرب وشركائه الغربيين، في مسعى لفرملة هذا الصعود الاستراتيجي وإعادة المملكة إلى مربع الارتهان للإملاءات الخارجية.

 

وفي سياق هذه الحرب الهجينة، لم تكتفِ تلك المقالات الموجهة بمحاولة النيل من الأجهزة الأمنية فحسب، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر استهداف المحيط الملكي بشكل مباشر ومقصود. وتجلى هذا المخطط في توجيه نِصال البروباغندا السوداء نحو السيد المستشار الملكي عالي الهمة، عبر اختلاق قصص بوليسية مفبركة وروايات خيالية تفتقر لأدنى مصداقية وثائقية، وذلك في محاولة مكشوفة لضرب النواة الصلبة للدولة واستهداف الرموز الكفؤة المحيطة بمركز القرار السيادي. إن هذه المحاولات الدنيئة لا تبتغي نقداً موضوعياً، بل تهدف بالأساس إلى محاولة إضعاف المعنويات وهز ثقة المواطن المغربي في مؤسساته السيادية التي تشكل درع الوطن الحصين. وتتوهم الجهات الراعية لهذه الحملات أن اغتيال السمعة المعنوية للشخصيات الوطنية الوازنة سيزعزع الجبهة الداخلية؛ غير أن النتيجة جاءت عكسية تماماً، إذ تحطمت هذه المؤامرة الإعلامية أمام وعي مجتمعي مغربي صلب، والتفاف شعبي واثق حول العرش ومحيطه، وثبات انفعالي ومؤسساتي أكد للعالم أن الدولة المغربية عصية على الاختراق أو التقويض.

 

وتتبدى آليات التضليل الإعلامي بشكل فج عند تفكيك كيفية استغلال القضايا الجنائية المرتبطة بالحق العام وتحويلها إلى أدوات للمظلومية السياسية؛ حيث عمدت منصة “Forbidden Stories” إلى إقحام أسماء صحفيين في سردية التجسس واستهداف المعارضين. والواقع والوثائق القضائية المفصلة يثبتان أن ملفات هؤلاء تندرج تماماً في إطار القانون الجنائي المغربي والقضاء المستقل بعيداً عن حرية التعبير:

ملف عمر الراضي (جنايات الحق العام والتخابر الاقتصادي): لم تكن محاكمة عمر الراضي يوماً بسبب كتاباته، بل توبع في ملفين متداخلين؛ الأول يتعلق بـ “المس بالسلامة الخارجية للدولة” وتلقي تمويلات مشبوهة من جهات أجنبية، بناءً على اتصالات وتقارير مدفوعة الأجر كان يوفرها لشركات استشارة اقتصادية بريطانية وموظفين دبلوماسيين أجانب (تحديداً في السفارة الهولندية) بطرق تتجاوز العمل الصحفي وتدخل في نطاق العمل الاستخباراتي غير القانوني. والملف الثاني هو جناية “الاعتداء الجنسي و الاغتصاب بالهتك والعنف”، بناءً على شكاية رسمية ومواجهة مباشرة مع زميلة صحفية له اتهمته بالاعتداء عليها في صيف 2020، وهي القضية التي فصل فيها القضاء علنياً وأدانه بـ 6 سنوات سجناً نافذاً صوناً لحقوق الضحية المعتدَ عليها.

 

ملف سليمان الريسوني (جناية هتك العرض والاحتجاز): توبع رئيس التحرير السابق لجريدة “أخبار اليوم” إثر تهم ثقيلة لا صلة لها بالخط التحريري للمؤسسة، بل شمل صك الاتهام جنايتي “هتك عرض شخص باستعمال العنف والاحتجاز”. وانطلقت مجريات هذه القضية عقب شكاية رسمية مدعومة بالأدلة تقدم بها شاب ناشط في مجتمع الميم، اتهمه فيها باستدراجه واحتجازه داخل منزله والاعتداء عليه جنسياً بـ”العنف المادي واللفظي”، وهي القضية التي جرت فيها المحاكمة وسط احترام تام لمساطر القانون الجنائي، وأيدت محكمة الاستئناف إدانته بـ 5 سنوات سجناً نافذاً مع تعويض مالي للضحية

قدره 100 ألف درهم.

 

وتتجلى الحقيقة الدامغة التي تكشف تهافت سردية الابتزاز الغربية في السلوك القانوني للصحفيين المعنيين أنفسهما؛ حيث امتنع كلاهما عن اللجوء إلى المساطر القانونية المتاحة لطلب إعادة المحاكمة أو الطعن في الإجراءات لتقديم “أدلة البراءة التكنولوجية” المزعومة التي روجت لها الدوائر الخارجية. وبدلاً من مواجهة القضاء ببيانات فنية تفند التهم الجنائية وتثبت الفبركة، اكتفيا بالاستجابة والانتظار لنيل العفو الملكي الكريم كوسيلة وحيدة لمغادرة أسوار السجن. هذا المسار يؤكد تضمنه اعترافاً ضمنياً بحجية الأحكام القضائية الصادرة وضوابط الحق العام، ويسقط ورقة “المظلومية السياسية” الرقمية التي حاولت المنظمات الدولية الترويج لها.

 

إن تحويل هذه المحاكمات الجنائية الصرفة، التي حظيت بمتابعة ميدانية دقيقة ومستقلة من قِبل ملاحظي المجلس الوطني لحقوق الإنسان (CNDH) وأكدت استيفاءها لشروط المحاكمة العادلة وعلنية الجلسات وحقوق الدفاع، إلى “ملفات اضطهاد رقمي ببرمجية بيغاسوس” لم يكن سوى محاولة خبيثة لدغدغة عواطف المنظمات الدولية والشراكات الغربية، واستهداف المنظومة القضائية والعدلية بالمملكة. وهو الطرح التضليلي الذي تهافت كلياً وتلاشت تداعياته بعد الصدور السامي لـ العفو الملكي الكريم الذي أصدره جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ25 لعيد العرش، ليطوي هذه الصفحة بشكل سيادي وإنساني يجسد حكمة الدولة ويقطع الطريق نهائياً على محاولات التنميط والتشويه الخارجي الموجهة ضد مؤسسات المملكة السيادية.

 

رابعا : أسطورة ” الوسطاء ” و فبركة المسارات المالية تفكيك تكتيكات ” الحرب الهجينة ”

 

إن التدقيق في السرديات التي سوّقتها منصة “Forbidden Stories” حول ما أسمته بـ “العمليات العابرة للحدود” و”المسارات المالية المشبوهة”، يكشف بوضوح أننا أمام تكتيك استخباراتي مُغلف بغلاف “الاستقصاء”، يعتمد على “خيال السيناريوهات” لتعويض غياب الأدلة الجنائية. فعندما تغوص هذه المقالات في تفاصيل “هوليودية” حول وسطاء تقنيين، أو صفقات تسليح عبر شركات وهمية، أو تحويلات مالية لـ “شخصيات رمزية” كـ “مورغان”، فهي في حقيقة الأمر لا تقدم عملاً صحفياً، بل تُمارس عملية “هندسة للشك”؛ إذ يتم نسج قصص حول صفقات دولية (دولة إلى دولة G2G) تخضع لمعايير الرقابة الدولية، وتحويلها إلى سردية تآمرية تهدف إلى شيطنة التعاون الأمني الاستراتيجي الذي يربط المملكة بشركائها الدوليين، و بشكل خاص محاولة إستهداف العلاقات الإستراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة و باقي القوى الدولية في الشرق الأوسط، كنوع من الابتزاز الجيوسياسي لضرب استقلالية القرار السيادي المغربي.

 

إن الادعاء بوجود “محور استخباراتي إقليمي” لغرض التجسس هو محاولة يائسة لتأجيج مخاوف الرأي العام الغربي من الصعود المغربي، متجاهلة عن قصد أن التعاون الأمني المغربي هو نموذج عالمي في مكافحة الإرهاب، وليس “مغامرة تقنية” خارج الأطر القانونية. إن المنصات التي تدعي “تتبع الأموال والصفقات” تعجز عن تقديم فاتورة واحدة أو وثيقة بنكية رسمية تثبت تورط المؤسسات السيادية المغربية في أي خرق قانوني؛ لأنها ببساطة تعتمد على “التفسيرات الاحتمالية” و”الربط التعسفي” للبيانات التقنية والعناوين الرقمية (IP)، وهي تقنيات يعرف أي خبير في الأمن السيبراني أنها قابلة للتلاعب والتحريف لتوجيه أصابع الاتهام نحو أطراف معينة، مما يثبت أن هذه المنظمات تمارس “تزييفاً تقنياً” لخدمة أجندات سياسية معادية. إن محاولة تصوير المغرب كـ “مدمن على التجسس” هي في واقع الأمر انعكاس لـ “إدمان” هذه المنصات على صناعة الفزاعات، وهروبها من مواجهة الحقائق المادية، ومحاولتها المستميتة لكسر التحالفات الاستراتيجية التي تجعل من المغرب فاعلاً إقليمياً لا يمكن تجاوزه أو إملاء الشروط عليه.

 

خامساً: جغرافيا المال الموجه: تفكيك شبكات التمويل المشترك وأجندات الثورات الملونة

 

لا يمكن قراءة أي تحرك إعلامي عابر للحدود بمعزل عن تتبع مسارات هندسته المالية؛ فالمال هو المحرك الفعلي للأجندات، وفي العقيدة الجيوسياسية الحداثية، تحولت المنح السخية للمنظمات غير الحكومية إلى “سلاح ناعم” لزعزعة استقرار الدول الصاعدة. وعند إخضاع البنية التمويلية لمنصة “Forbidden Stories” للتشريح والتدقيق، يسقط قناع “العمل الصحفي المستقل” لتنكشف شبكة معقدة من الصناديق الفيلانثروبية والمؤسسات الغربية التي ارتبطت تاريخياً بالهندسة اللوجستية والمالية لأحداث “الربيع العربي” عام 2011، وبروتوكولات “الثورات الملونة” في شرق أوروبا. إن توجيه أموال هذه الكيانات لاستهداف المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المغربي (DGST) ليس صدفة عابرة، بل هو نقل حرفي لتكتيكات “شيطنة الحصون الأمنية” لإضعاف مناعة الدول الرافضة للوصاية.

 

وتتجلى أولى هذه التقاطعات المريبة في إدراج المنصة لـ “الصندوق الوطني للديمقراطية” (NED) كأحد كبار مموليها المؤسساتيين. وتكشف المعطيات الموثقة أن هذا الصندوق، الممول مباشرة من الكونغرس الأمريكي، كان المهندس والمانح الرئيسي للحركات والنشطاء الذين قادوا اضطرابات الشرق الأوسط عام 2011، وتحديداً في مصر واليمن والبحرين، عبر برامج تدريبية متخصصة في توظيف المنصات الرقمية لصناعة الفوضى وتأليب الرأي العام. ويتكامل هذا الدور مع الدعم المالي الضخم الذي تتلقاه المنصة من “مؤسسة فورد” (Ford Foundation) و**”مؤسسة ماك آرثر” (MacArthur Foundation)**؛ وهما كيانان يمتلكان سجلاً حافلاً في تمويل برامج الانتقال السياسي وإعادة هيكلة المجتمع المدني في مناطق التوتر، وكان لهما الدور الأبرز في ضخ ملايين الدولارات خلال “الثورة البرتقالية” في أوكرانيا (2004) وثورة “الميدان” (2014) تحت غطاء “تطوير الإعلام البديل”، والتي تبين لاحقاً أنها وُجهت لشل قدرة الأجهزة الأمنية للدول المستهدفة على ضبط الاستقرار.

 

وتتخذ اللعبة طابع التواطؤ المكشوف عند رصد التمويل المشترك الممتد لـ “شبكة أوميديار” (عبر مؤسستي Luminate وHumanity United) وتداخلها مع “صندوق ويلبرينغ الفيلانثروبي” (Wellspring) الممول الحالي للمنصة. إن “ويلبرينغ” يمثل القناة التمويلية الغامضة التي تضخ مئات الملايين من الدولارات لكل من منظمة العفو الدولية (Amnesty International) ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”. وهنا تظهر اللعبة الدائرية بوضوح؛ فالجهة المانحة التي تمول المنصة الإعلامية (Forbidden Stories) هي نفسها التي تمنح التوجيه والدعم المالي للمختبر التقني (Amnesty Tech) الذي صاغ “التقارير المزعومة” ضد المغرب. هذا التدوير الذاتي للمال والأدوار يفقد التحقيق أي مصداقية علمية أو استقلالية أخلاقية، ويؤكد أنها شبكة مغلقة لتصنيع الاتهامات الجاهزة لخدمة أجندة الممول المشترك.

 

و ينكشف الوجه الجيوسياسية لهذه التمويلات عبر صدارة مؤسسة “Adessium” الهولندية لقائمة المانحين، وهي الصناديق التي تتحرك وفق حسابات سياسية واضحة لبعض دوائر شمال أوروبا التي عانت لسنوات من “عقدة الندية” الدبلوماسية والاستراتيجية مع الرباط، خاصة بعد الرفض المغربي الحازم لأي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية. إن فضح الجغرافيا المالية لمنصة “Forbidden Stories” يمثل الهجوم الاستراتيجي الفعلي الذي يعري حقيقة قضية “بيغاسوس” المفتعلة؛ إذ يدرك المواطن المغربي بوعيه الصلب أن توجيه أموال إسقاط الأنظمة وزعزعة الاستقرار نحو المملكة ليس دفاعاً عن حقوق الإنسان أو الخصوصية الرقمية، بل هو محاولة لمعاقبة المغرب على خياراته السيادية الكبرى، ونجاعته الأمنية الإقليمية، وصمود جبهته الداخلية خلف القيادة الملكية المتبصرة.

 

سادسا : السيادة الرقمية وكسر الوصاية: من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي

 

إن تعزيز السيادة الرقمية الوطنية لا يعد خياراً ترفياً أو ترفاً تكنولوجياً، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى تفرضها متطلبات الأمن القومي في عصر غدت فيه المعارك تدار بصمت عبر الخوارزميات والبرمجيات في الفضاء السيبراني الجيوسياسي. يبرز هذا التوجه كحق سيادي ثابت ومكفول للمملكة المغربية بموجب قواعد القانون الدولي ومبدأ الدفاع الشرعي عن النفس لحماية بنيتها التحتية الحيوية وفضائها المعلوماتي من الاختراقات الممنهجة والتهديدات الهجينة المتصاعدة. إذ إن السعي نحو امتلاك التكنولوجيا السيادية يأتي تنزيلاً لخيارات الاستقلالية الاستراتيجية التي ينهجها المغرب، وتجسيداً للمرسوم رقم 2.21.406 المتعلق بتنظيم الأمن السيبراني وتحديد التدابير الحمائية للمنشآت ذات الأهمية الحيوية؛ وهو الإطار القانوني والمؤسساتي الصلب الذي يفسر حدة وشراسة الحملات الإعلامية التي تستهدف هذا الطموح، حيث تجد القوى التقليدية في هذا التميز التكنولوجي والتشريعي المغربي تهديداً مباشراً لهيمنتها التاريخية واحتكارها لخرائط الأمن الرقمي الإقليمي.

 

وتتجلى ازدواجية المعايير الغربية بشكل صارخ عند مقاربة امتلاك المغرب للأدوات التكنولوجية والمنظومات الدفاعية الفائقة، فبينما يبارك الفاعلون الدوليون امتلاك دول بعينها في المنظومة الغربية لتقنيات رقابة واختراق مماثلة وتحصينها بمبررات “الأمن القومي ومكافحة الإرهاب”، يتم تسييس الملف وشيطنة المغرب وتلفيق التهم الجاهزة إليه بمجرد ممارسته لحقه الطبيعي في تطوير ترسانته الدفاعية الخاصة وتأمين بياناته الوطنية. إن هذا الانحياز المكشوف، الذي برز في تواطؤ بعض المنظمات غير الحكومية الغربية مع منصة “Forbidden Stories”، يكشف عن منطق استعلائي يرفض الاعتراف بالتحول البنيوي للمملكة؛ حيث انتقل المغرب من مجرد “مستهلك” مستسلم للحلول الرقمية والبرمجيات التي تنتجها الشركات التكنولوجية العملاقة في الغرب، إلى “شريك ندّي” فاعل يمتلك مراكز معطيات (Data Centers) وطنية، ويصيغ معادلات الأمن الرقمي الإقليمي بشكل مستقل، مما يجعل من التقارير المفبركة مجرد أدوات ضغط سياسي بامتياز لفرملة هذا الصعود التقني المتسارع.

 

بناءً على ذلك، فمن الضروري الانتقال في معركة تحصين السيادة هذه من موقع الدفاع والنفي التقليدي إلى الهجوم الاستراتيجي المعزز بالحقائق؛ فبدلاً من الانشغال بدحض ادعاءات واهية عجزت “منظمة العفو الدولية” عن تقديم إثبات رقمي جنائي واحد عليها أمام المحاكم الأوروبية، قامت المملكة المغربية من خلال رؤية واضحة و كواقف ثابتة بتعرية الجوهر الحقيقي للاستهداف الموجه ضد القدرة المؤسساتية للمملكة على التحكم في مصيرها الرقمي وتوطين البيانات. إن نجاح المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI) التابعة لإدارة الدفاع الوطني، بالتعاون مع الأجهزة الاستخباراتية السيادية، في بناء أرضية تكنولوجية صلبة ومستقلة، قد قفز بتموقع المغرب في المؤشرات الدولية للأمن السيبراني، وجعل من المملكة شريكاً استراتيجياً موثوقاً ومحاوراً لا يمكن تجاوزه في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة ومكافحة الجريمة الرقمية العابرة للحدود؛ وهذا التفوق النوعي هو المحرك الفعلي لتلك المنصات، إذ تدرك القوى المحركة لها أن امتلاك المغرب لناصية التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي يعني امتلاكه لمفاتيح السيادة الفعلية والكاملة على مجاله الترابي والافتراضي، حيث يظل الرهان المغربي على تطوير قدراته التقنية وحماية بيئته الحوسبية واجباً سيادياً أصيلاً يتجاوز كل محاولات التشويش الإعلامي التي تسعى لربط هذا الحق بممارسات حقوقية غير مثبتة. إن صمود المملكة في وجه هذه الحملات وتفنيدها قضائياً في باريس ومدريد يبرهنان على نضج استراتيجي وثقة راسخة في الخيارات الوطنية الرسمية؛ حيث يعي المغرب جيداً أن العبور الآمن نحو ريادة القارة الإفريقية والفضاء المتوسطي يمر حتماً عبر تحصين الحدود السيبرانية وتوطين الصناعات الأمنية الرقمية. وبذلك، يظل الدرع الأمني المغربي، بروافده التكنولوجية والبشرية، حصناً عصياً على الاختراق البروبوغاندي، ومقاوماً لكل محاولات التنميط والابتزاز الجيوسياسي التي تسعى لإبقاء المنطقة رهينة السرديات الغربية الموجهة.

 

سابعا: حجية العدالة الدولية وقوة براءة المؤسسات

 

إن معركة “بيغاسوس” لم تكن يوماً مجرد سجال إعلامي، بل كانت اختباراً لقوة المؤسسات المغربية في مواجهة محاولات التنميط والتشويه العابر للحدود. لقد انتقل المغرب في مواجهته لهذا التضليل من موقع الدفاع إلى انتزاع “صكوك براءة دولية” موثقة من قلب العواصم التي اتخذتها تلك المنصات منصات انطلاق لهجومها. ففي الوقت الذي تعجز فيه تلك الجهات عن تقديم دليل جنائي واحد، قدم القضاء والمؤسسات الأمنية في دول أوروبية شهادات حاسمة تعري زيف هذه الحملات، وتؤكد أنها ليست سوى “فقاعات إعلامية” تذوب وتتلاشى أمام صرامة التحقيقات الرسمية المستقلة.

 

وتتجلى هذه البراهين الدامغة في ثلاث محطات قضائية وأمنية مفصلية:

 

إسبانيا:

 

شكّل التقرير السنوي للأمن القومي الإسباني الصادر عن الأجهزة الاستخباراتية التابعة لرئاسة الحكومة (مارس 2024) تفنيداً رسمياً للمزاعم؛ حيث أكدت الوثيقة الحكومية الرسمية، بناءً على فحص تقني شامل للمجال السيبراني، خلوّ الساحة من أي مؤشرات تثبت تورط المغرب في عمليات اختراق أو تدخل في الشؤون الداخلية لإسبانيا. وتَكرّس هذا الموقف المؤسساتي الحاسم بالرد البرلماني الصادر عن السلطة التنفيذية في مدريد، والذي قطع الطريق نهائياً أمام محاولات إقحام اسم الرباط في هذه الشائعات، مؤكداً على متانة الشراكة الاستراتيجية ومشدداً على أن العلاقات الثنائية أسمى من هذا التشويش المفتعل. وفي السياق ذاته، جاء قرار المحكمة الوطنية الإسبانية (Audiencia Nacional) ليؤكد هذا المسار، بعدما تبين للقضاء عجز الجهات المشتكية عن تقديم أي أدلة مادية ملموسة، مما دفع القاضي إلى حفظ الملف لانتفاء الحجج التقنية المستقلة.

 

فرنسا:

 

سجلت أحكام محكمة الاستئناف في باريس (أبريل 2023) انتصاراً للموقف المغربي؛ إذ قضت بعدم قبول دعاوى التشهير من زاوية إجرائية مبدئية، مكرسةً القواعد القانونية التي تمنع استغلال القضاء في حملات سياسية. ولقد أكد هذا المسار، بعيداً عن صخب المنابر الإعلامية، أن الاتهامات الموجهة للمملكة بالتجسس تفتقر لأي حُجية قضائية مادية، وظلت مجرد ادعاءات عجزت المنظمات المروجة لها عن إثباتها عبر قنوات التحقيق الجنائي النزيه، مما يزكي النفي القاطع والصارم للمملكة المغربية.

 

البرلمان الأوروبي :

 

رغم الضغوطات السياسية المكثفة والتوجهات المسبقة التي شهدتها لجنة التحقيق (PEGA) التابعة للبرلمان الأوروبي، جاءت الخلاصات والتوصيات النهائية الصادرة عنها (يونيو 2023) خالية من أي إدانة مادية أو قانونية مباشرة ضد المملكة المغربية. واكتفت اللجنة في صياغة تقريرها بالارتكاز على “فرضيات واستنتاجات” مستقاة بالكامل من قصاصات صحفية وتقارير غير رسمية، عاجزة كلياً عن تقديم أي إثبات تقني قطعي أو حجة جنائية صادرة عن مختبرات أوروبية محايدة تدين أجهزة الدولة. وهو ما أكد افتقار أعمال اللجنة للمقومات الجنائية والتقنية النزيهة، وتحول الملف إلى أداة تسييس داخل ردهات الاتحاد الأوروبي، بما يزكي الموقف المغربي الثابت والرافض للاتهامات المجردة من الأدلة.

 

وعلى الصعيد الفني الدولي، تعزز الموقف المغربي بمراجعات علمية ودراسات مضادة رصينة فكّكت المنهجية الرقمية المعتمدة من قِبل المنظمات غير الحكومية؛ حيث أثبتت التقارير التحليلية لمراجعة الأقران (Peer Review) ومختبرات الأمن السيبراني المحايدة أن تلك الاستنتاجات تفتقر بشكل فج لمعايير التحقيق الجنائي الرقمي (Digital Forensics) المقبولة قضائياً، وشابتها عيوب ‘الارتباط الزائف’ وخلط البيانات. وبيّنت التحريات البرمجية المعمقة والهندسة العكسية (Reverse Engineering) للأنظمة أن المؤشرات الرقمية التي استغلتها الدعاية الإعلامية كأدلة اختراق، لا تعدو كونها مخلفات تقنية اعتيادية (Artifacts) وسجلات معالجة آلية خلفية (Background Processes) لنظام ملفات نظام التشغيل (iOS) وعمليات الـ (Sandbox)؛ وتحديداً سجلات المعالجة الفرعية داخل جداول قواعد البيانات الجنائية (مثل ملفات Data Usage وقواعد بيانات المزامنة الروتينية لـ CloudKit وسيرفرات شركة Apple لإرسال الإشعارات التلقائية APNs). وهي ملفات وملفات تشخيصية (Diagnostic Logs) تُنشئها نواة النظام (Kernel) ذاتياً لتنظيم العمليات الخلفية للشبكات والخدمات الروتينية والتطبيقات التجارية العادية، ولا تحمل أي دلالة برمجية على وجود برمجيات خبيثة أو حدوث اختراق فعلي، فضلاً عن استحالة اتخاذها معياراً تقنياً لنسبة أي بصمة سيبرانية (Cyber Signature Attribution) إلى دولة معينة، مما أسقط الأساس الفني والعلمي للحملة الموجهة ضد المملكة بالكامل ودحض تماماً رواية التشويش الافتراضي.

 

ختاما إن هذه المعطيات ليست مجرد ردود تقنية أو سجالات عابرة، بل هي وثائق استراتيجية تدكُّ حصون “Forbidden Stories” وتكشف زيف طروحاتها كأداة تشويش إعلامي لا تملك أدنى مقومات الصمود أمام صرامة الحقيقة القضائية. لقد وجهت الرباط رسالةً استراتيجيةً حاسمة للمنتظم الدولي؛ مفادها أن السيادة المغربية، بمختلف أبعادها الرقمية والمؤسساتية، ليست رهينةً لأهواء الدوائر المسيسة أو مختبرات الابتزاز، بل هي حصنٌ منيعٌ يُصانُ بصرامة الكفاءة الأمنية، ويُكرسُ بوقار القضاء المستقل الذي أنصف المملكة وأسقط الأقنعة عن مدعي النزاهة.

 

إن مغرب القرن الحادي والعشرين، بمكانته كقطب إقليمي فاعل وشريك استراتيجي موثوق، قد تجاوز بذكاءٍ سيادي مرحلة “رد الفعل” التقليدي، ليفرض معادلة جديدة تعتمد على “الفعل الاستباقي” والندية الاستراتيجية. فبينما تتهاوى سرديات البروباغندا وتتبدد فصول فبركاتها أمام حائط المصداقية المغربي، يظل الدرع الأمني والسيادي للمملكة صرحا عصيا على الاختراق، محميا ببوصلة رؤية ملكية متبصرة لا ترضى إلا بالاستقلالية الكاملة للقرار الوطني.

 

لقد أثبتت التجربة أننا أمام تحول نوعي؛ حيث تحولت “الحقيقة المغربية” إلى قوة ردع استراتيجية تُربك حسابات خصوم التنمية، وتُعيد صياغة قواعد الاشتباك الدبلوماسي. إن المملكة لا تدافع عن سيادتها فحسب، بل تُعيد ترسيم معالم حضورها الدولي كقوة استقرار محورية، ترفض الوصاية، وتفرض الندية، وتصيغ تحالفاتها انطلاقا من ثوابت السيادة وصرامة الحق. إن هذه الحملات، بآلتها الدعائية المتهالكة، لم تكن سوى محطة إضافية أكدت للعالم أن المغرب، بمؤسساته السيادية الصلبة وإرادته السياسية المتجذرة، عصيٌ على كل محاولات التنميط والابتزاز، وماضٍ بكل ثقة في ترسيخ صعوده الاستراتيجي في فضائه الإقليمي والدولي، قاطعا الطريق نهائيا أمام أوهام الهيمنة و مخططات الإبتزاز الجيوسياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى