مجتمع

الطريقة القادرية البودشيشية حين تتحدث الوقائع بصوت أعلى من السجالات

 

هناك لحظات في حياة المؤسسات لا تحتاج فيها إلى إصدار بيانات، ولا إلى الانخراط في سجالات لا تنتهي، لأن الوقائع اليومية تصبح هي اللغة الأكثر بلاغة.

وفي مثل هذه اللحظات، يتحول السؤال من: “ماذا يُقال عنها؟” إلى: “ماذا تنجز على أرض الواقع؟”ومنذ أن بدأت الأزمة التي عرفتها الطريقة القادرية البودشيشية، انشغل كثيرون بتتبع تفاصيل الخلاف، وامتلأت بعض المنابر والمواقع الإلكترونية بالتحليلات والاستنتاجات التي ذهبت أحيانًا إلى تصوير المؤسسة وكأنها دخلت مرحلة انكماش أو عزلة.

غير أن المتابع المنصف قد يتساءل: كم من تلك القراءات كلف أصحابها أنفسهم عناء النزول إلى الميدان، أو زيارة الزوايا، أو متابعة برامج المؤسسة، أو معاينة ما يجري بعيدًا عن الشاشات؟

فالواقع لا يُقرأ دائمًا من خلف المكاتب.

وبينما كانت السجالات تتكرر في بعض المنابر، كانت الزوايا التاريخية تواصل في الواقع أداء رسالتها كما عهدها الناس منذ عقود؛ مجالس الذكر عامرة، والدروس العلمية مستمرة، وبرامج التربية لم تتوقف، والأنشطة الموجهة للشباب تتجدد داخل المغرب وخارجه.

ولم يكن استمرار هذه الرسالة مجرد انطباع، بل واقعًا يمكن لكل من أراد أن يتحقق منه أن يراه بعينه.

وقد كان من أبرز تجليات هذا الحضور الميداني *قافلة منتدى شباب الطريقة القادرية البودشيشية الأخيرة*، التي جابت مختلف جهات المملكة الشريفة تخليدًا للذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، نصره الله، على عرش أسلافه المنعمين.

ولم تكن هذه القافلة حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لمسار متواصل من المبادرات التربوية والعلمية التي دأبت المؤسسة على تنظيمها، سواء داخل المغرب أو خارجه، وفي مقدمتها المبادرات التي احتضنتها عدد من الدول الأوروبية، في إطار انفتاحها المستمر على الشباب أينما وجدوا.

ولعل المتأمل في الرسائل التي حملتها هذه المبادرات يلاحظ أنها لم تكن مجرد برامج ظرفية، بل تعكس رؤية متكاملة تجعل من الشباب محورًا للتكوين، وتربط بين القيم الدينية، والثوابت الوطنية، والكفاءة العلمية، والانفتاح المسؤول على العصر.

فالشاب الذي تسعى المؤسسة إلى تكوينه ليس شابًا منغلقًا على ذاته، وإنما هو الطالب، والباحث، والمهندس، والطبيبة، والأستاذ، والرياضي، والمواطن المعتز بدينه ووطنه، والمؤمن بأن خدمة المجتمع تبدأ ببناء الذات.

ولذلك لم يقتصر الحضور على القوافل والملتقيات، بل ظل العمل اليومي داخل الزوايا مستمرًا كما كان؛ *مجالس الذكر لم تنقطع، والدروس العلمية ما زالت تعقد، والتربية الروحية ما تزال تؤدي رسالتها في تكوين الإنسان، جيلاً بعد جيل، في وفاء كامل للنهج الذي أرساه الشيوخ السابقون.*

كما تواصل المؤسسة تطوير برامجها التكوينية لتواكب تحديات العصر، من خلال الاعتكافات العلمية، واللقاءات الفكرية، والبرامج الموجهة للشباب، التي تجمع بين التربية الروحية والتكوين العلمي، والانفتاح على مجالات الإعلام، واللغات، والذكاء الاصطناعي، والتربية المعلوماتية، وآداب النشر في الفضاء الرقمي.

إنها رؤية تعتبر أن الإنسان لا يُبنى بالوعظ وحده، ولا بالمعرفة التقنية وحدها، وإنما بتكامل الروح والعقل والكفاءة.

وتكتسب هذه المبادرات معناها الكامل لأنها تتحرك داخل المرجعية الدينية والوطنية للمملكة المغربية، في ظل *إمارة المؤمنين*، الضامنة لوحدة المرجعية الدينية، وحماية الثوابت الجامعة للأمة المغربية.

فالطريقة القادرية البودشيشية لم تقدم نفسها يومًا باعتبارها مشروعًا موازيًا لمؤسسات الدولة، وإنما باعتبارها رافدًا تربويًا وروحيًا يشتغل داخل المنظومة الدينية الوطنية، ويسهم في ترسيخ قيم الاعتدال، والوسطية، ومحبة الوطن، وخدمة المجتمع.

وفي الوقت نفسه، لم تدّع الطريقة يومًا احتكار مهمة تأطير الشباب، بل كانت تؤكد باستمرار أن بناء الإنسان مسؤولية مشتركة، تتقاسمها *الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب المؤسسات الروحية.*

ولقد كانت المدرسة البودشيشية حريصة على تربية الإنسان قبل تحديد موقعه، لأن الموقع قد يتغير مع الزمن، أما القيم التي يتربى عليها فهي التي ترافقه أينما كان.

ولهذا ظل أبناء الطريقة، على اختلاف مواقعهم واختياراتهم المدنية، يجتمعون على منظومة واحدة من القيم، وإن تنوعت ميادين خدمتهم للوطن والمجتمع.

وبعد عام من الجدل، تبدو الصورة أكثر وضوحًا.

فالطريقة لم تتوقف.

والأنشطة لم تنقطع.

ومجالس الذكر ما تزال عامرة.

وبرامج التربية مستمرة.

والقوافل الشبابية تجوب جهات المملكة.

واللقاءات العلمية تتجدد.

والاستثمار في الإنسان لا يزال متواصلًا.

ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقي اليوم:

ماذا قيل عن المؤسسة؟

بل أصبح:

ماذا أنجزت المؤسسة خلال هذا العام؟

فالجدل يستهلك الوقت، أما التربية فتصنع الإنسان.

والأخبار العابرة تنتهي بانتهاء مناسبتها، أما المشاريع التي تُخرّج أجيالًا متشبعة بالقيم، معتزة بثوابتها، ومنفتحة على عصرها، فهي التي تبقى شاهدة على حيوية المؤسسات وأصالة رسالتها.

ولهذا، فإن الوقائع وحدها كانت، وما تزال، أبلغ جواب.

*حين تتحدث الوقائع بصوت أعلى من السجالات… يصبح الواقع نفسه هو البرهان.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى