مجتمع

خريف الميسوجينية السياسية: حين يُزعزع صعود فاطمة الزهراء المنصوري عروش الذكورية التقليدية

 

بقلم، مخلص حجيب

 

​لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الجهاز التنفيذي مجرد محطة عابرة في جدول الأعمال السياسي المغربي، بل كان بمثابة الزلزال الهادئ الذي هزّ البنيات التقليدية العتيقة. فأن تتربع امرأة للمرة الأولى في تاريخ المؤسسات المغربية على قمة الهرم الحكومي، مستندة إلى صدارة حزبها للانتخابات التشريعية ومسار استثنائي راكمته في المحاماة والتدبير الجماعي والوزاري، فهذا معناه أننا نلامس سقفاً زجاجياً طالما اعتقد البعض أنه محصن ضد التغيير. غير أن هذا التحول التاريخي اصطدم فوراً بموجة من الهجمات العارية والتقليل الممنهج، كشفت بوضوح عن عورات تيار مجتمعي لا يزال يعاني من ترسبات “الميسوجينية” أو كره النساء حين يملكن زمام القرار السيادي.

 

​وحين نتأمل طبيعة الحملات التي استهدفت المنصوري على منصات التواصل الاجتماعي، ندرك أنها تجاوزت النقاش السياسي الرصين حول البرامج أو التحالفات إلى مستنقع الشخصنة والتبخيس الرخيص. لم يزعجهم البرنامج الحكومي ولا الرهانات الاقتصادية بقدر ما أزعجهم أن من تتولى قيادة السفينة هي امرأة ترفض أدوار الظل. لقد انصب التركيز الشارد للبعض على محاولة اختزال مسارها الطويل في سرديات واهية تدعي الصدفة، وتفرغ كفاءتها المعترف بها من محتواها، في تمرين يومي واضح على إقصاء رمزي يعيد إنتاج النظرة الدونية للمرأة القوية التي تكسر القوالب الجاهزة.

 

​ولفهم جذور هذا السلوك، لا بد من تفكيك مفهوم “الميسوجينية” (Misogyny) بعيداً عن تبسيطه في مجرد كره عابر، فهو نظام ثقافي واجتماعي عريق يترسخ في العقليات البطريركية لتقسيم الأدوار، حيث يُقبل وجود المرأة في المشهد العام شريطة أن تبقى تابعة وتحت سقف الوصاية الذكورية. أما إذا تجرأت وكسرت طوق التبعية لتقف على رأس السلطة التنفيذية، فإن الآلية الدفاعية لهذا النظام تبدأ في الاشتغال عبر التشكيك، والوصم، والتقليل من الكفاءة.

 

​وفي هذا السياق، تبدو السيرة الشخصية والمؤسساتية لفاطمة الزهراء المنصوري كفيلة بدحض كل هذه الترهات. فهي ليست وليدة اللحظة ولا نتاج صدفة سياسية، بل هي سليلة أسرة مغربية أصيلة وعريقة، فوالدها هو الراحل عبد الرحمن المنصوري، باشا مدينة مراكش الأسبق وأحد الأعيان الذين طبعوا تاريخ الإدارة الترابية بالمغرب بحنكة عالية. هذا الإرث العائلي المطبوع بخدمة الدولة امتزج بمسار أكاديمي ومهني متألق، حيث راكمت المنصوري تجربة غنية بصفتها محامية بهيئة المحامين خريجة الجامعات العريقة، قبل أن تقتحم غمار الشأن المحلي من باب عمدة مدينة كبرى بحجم مراكش لولايتين تميزتا بالصرامة في التدبير، ثم وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وصولاً إلى قيادتها الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. إن هذا السجل الميداني الطويل ينسف كل ادعاءات المشككين في أهليتها للقيادة.

 

​ولعلنا إذا استدعينا الفكر النير لعالمة الاجتماع المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي، سنجد تفسيراً عميقاً لهذه الظاهرة. فقد طالما أكدت المرنيسي في كتاباتها الرائدة حول الحريم والعقل البطريركي، أن الخوف من صعود المرأة إلى مواقع القرار السيادي والسيادي العالي لا يعبر عن ضعف في المرأة نفسها، بل يعبر عن أزمة بنيوية وعجز نفسي يعاني منه الرجل التقليدي الذي يرى في استقلالية المرأة وكفاءتها تهديداً مباشراً لهيمنته الرمزية والمطلقة على الفضاء العام. لقد بينت المرنيسي بحرقة وبصيرة أن تحرير المجتمع المغربي مرتبط أساساً بتحرير عقول نخبته من ترسبات الجندر التاريخية.

​إن ما عرتُه هذه الهجمة هو أزمة عميقة تعاني منها فئات واسعة من المشهد المغربي، تتأرجح بين ذكورية تقليدية مجاهرة برفضها لصعود المرأة، ونخب رمادية تتشدق بالحداثة في الشعارات وتنكفئ إلى العقلية البطريركية متى ما تعلق الأمر بتقاسم السلطة الفعلية. هؤلاء يصابون بما يشبه “صدمة الوجود” حين يكتشفون أن الكفاءة والوطنية لا تحملان جنساً محدداً، وأن دفتر التحملات الديمقراطي لا يعترف بالنوع الاجتماعي بل بالاستحقاق والقدرة على الإنتاج والتدبير.

 

​إن معركة فاطمة الزهراء المنصوري اليوم تتجاوز شخصها الحزبي أو السياسي لتصبح محكاً حقيقياً لاختبار نضج المجتمع في طريقه نحو المناصفة والعدالة الكونية. فالهجمات العابرة والمواقف الميسوجينية المسعورة لن تزيد مسار التحديث إلا صلابة، ولن تمحو حقيقة ساطعة تؤكد أن التاريخ لا يصنعه المتقاعسون خلف شاشات الحقد الرقمي، بل تكتبه الكفاءات الوطنية الصادقة التي تواجه بشجاعة خريف العقول المتقاعسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى