مجتمع

البيانات المفتوحة والمجتمع المدني بين الحق الدستوري وتشتت المعطى العمومي

 

بقلم : الحسان الغوالي

 

يُفهم دور المجتمع المدني من خلال موقعه في إنتاج المصلحة العامة، وفي تتبع السياسات العمومية، وفي مساءلة الفاعل العمومي على أساس الوقائع لا الانطباعات. ولهذا قرر الدستور المغربي،(1) في الفصل 12، أن الجمعيات والمنظمات غير الحكومية تساهم في إعداد القرارات والمشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وفي تفعيلها وتقييمها، كما قرر في الفصل 27 حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. وبذلك ربط النص الدستوري بين أمرين متلازمين: وظيفة المشاركة وشرط المعرفة.

 

هذا الربط ينسجم مع مسار دولي واضح يجعل الحق في الوصول إلى المعلومات من مقاييس الحكامة الجيدة. فاليونسكو،(2) باعتبارها الجهة الأممية المكلفة بتتبع المؤشر 16.10.2 من أهداف التنمية المستدامة، تشير إلى أن 139 دولة عضوًا في الأمم المتحدة اعتمدت ضمانات دستورية أو قانونية أو سياساتية للولوج إلى المعلومات، وأن 125 دولة شاركت سنة 2024 في المسح المرتبط بهذا المؤشر. والمعنى الذي يستفاد من ذلك أن الشفافية صارت عنصرًا بنيويًا في شرعية القرار العمومي وفي جودة المشاركة المدنية.

 

كما أنه عند النظر يتبين أن النسيج المدني واسع من حيث العدد، لكن صورته العمومية ما تزال أقل انتظامًا من حجمه الفعلي. فقد سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان(3) أن عدد الجمعيات بالمغرب بلغ 266,610 جمعية سنة 2023 مقابل 259,000 سنة 2022. وفي السنة نفسها، تم تسجيل حوالي 16,910 طلبًا للحصول على المعلومات، عولج منها 9,104 فقط، مع متوسط مدة جواب بلغ 73 يومًا. هذه المعطيات تفيد، من جهة، بوجود حيوية مدنية وتنظيمية كبيرة، لكنها تفيد، من جهة ثانية، بأن دورة الوصول إلى المعلومة ما تزال أبطأ من حاجات الفاعلين والباحثين والمهتمين بالشأن العام.

 

ويزداد المعنى وضوحًا إذا استحضرنا أن القانون المنظم للحق في الحصول على المعلومات (4)لا يكتفي بالإقرار المبدئي، بل يضع آجالًا ومساطر دقيقة: فالمؤسسة أو الهيئة المعنية مطالبة بالرد داخل 20 يوم عمل من تاريخ تسلم الطلب، مع إمكانية التمديد لمدة مماثلة في حالات محددة، وتختزل الآجال إلى 3 أيام في الحالات المستعجلة المرتبطة بحماية الحياة والسلامة والحرية. كما أن المشرّع فتح مسارًا للتظلم يبدأ بشكاية إلى رئيس المؤسسة، ثم إلى لجنة الحق في الحصول على المعلومات، ثم إلى المحكمة الإدارية عند الاقتضاء. والأهم أن هذا الحق يشمل، صراحة، المعطيات والإحصائيات وقواعد البيانات والوثائق العامة، وأنه يمكن ممارسته تجاه الإدارات العمومية، والمحاكم، والجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية، وكل هيئة مكلفة بمرفق عام.

 

غير أن الإشكال العملي لا يظهر فقط في آجال الجواب، بل في بنية المعطى نفسه. ففي قطاع التعاونيات، مثلًا، ينشر مكتب تنمية التعاون (5) معطيات وطنية وجهوية واضحة: فقد بلغ عدد التعاونيات بالمغرب 65,315 تعاونية، كما بلغ عدد التعاونيات بجهة العيون-الساقية الحمراء 3,893 تعاونية تضم 24,441 منخرطًا. هذا يعني أننا قادرون على إنتاج معطى قطاعي مضبوط على المستوى الوطني والجهوي. لكن حين يراد الانتقال من هذا المستوى العام إلى المستوى الترابي الأدق، أو حين يراد الربط بين التأسيس والنشاط والتحيين والتوقف والتصفية، لا تظهر دائمًا صورة عمومية موحدة بالوضوح نفسه.

 

كما تفيد دراسة الحالة الترابية دون أن تحصر النقاش، في كشف طبيعة الخلل. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، (6) بلغ عدد سكان جهة العيون-الساقية الحمراء 451,028 نسمة حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، وبلغ عدد سكان إقليم بوجدور 65,381 نسمة. وفي المقابل، يظهر في دليل المؤسسات الاجتماعية المرخصة الصادر عن وزارة التضامن(7)بالنسبة إلى إقليم بوجدور وجود 5 مؤسسات مرخصة بطاقة استيعابية إجمالية 260. هذه المعطيات كلها رسمية وصحيحة في نطاقها، لكنها لا تتجمع في سجل عمومي واحد يتيح للباحث أو الفاعل المدني أن يبصر، في صفحة واحدة، عدد الهيئات المدنية، وحالتها القانونية، ومستوى نشاطها، ووضعيتها من حيث التحيين أو التوقف أو التصفية.

 

ومن هنا يتبين أن المشكل ليس في انعدام الوثائق، بل في توزعها بين أبواب متفرقة: باب دستوري يقرر الحق والدور، وباب قانوني يضبط المسطرة، وباب حقوقي يقدم مؤشرات وطنية عامة، وباب قطاعي ينشر أرقام التعاونيات، وباب ديمغرافي يقدم الإطار الترابي، وباب اجتماعي يرصد المؤسسات المرخصة في قطاع بعينه. ويُستفاد من هذا التوزع أن المعطى العمومي المتصل بالمجتمع المدني ما يزال، في صورته المفتوحة المتاحة للعموم، غير مدمج بما يكفي ليخدم التتبع العلمي، أو المقارنة الترابية، أو التقييم المدني المنتظم. وهذا استنتاج لا يقوم على دعوى مجردة، بل على مقارنة بين طبيعة المصادر المتاحة ومستوياتها ودرجات تفصيلها.

 

الإصلاح المطلوب لا يبدأ من زيادة النصوص بقدر ما يبدأ من إحكام البنية المعرفية المتعلقة بالنسيج المدني. وأول ذلك إنشاء سجل وطني مفتوح ومندمج، أو منصة عمومية جامعة، تُظهر الهيئات المدنية بهوية تعريفية ثابتة، وتُميز بوضوح بين: المسجل قانونًا، والنشيط فعليًا، وغير المحين، والمتوقف، وفي طور التصفية، والمحلول بحكم، والمشطوب عليه. وثانيه فرض النشر الاستباقي السنوي بصيغ رقمية قابلة للاستعمال والمقارنة، لا بصيغ جامدة أو متفرقة. وثالثه اعتماد معرّف إداري موحد يرافق الهيئة عبر السلطة المحلية والقطاع الوصي والهيئات الإحصائية وعند الاقتضاء المسار القضائي. ورابعه نشر إحصاءات سنوية دقيقة تخص الحل والشطب والتصفية وآجال البت والتنفيذ، حتى لا يظل النقاش التشريعي في هذا الباب رهين الانطباع بدل الوقائع. وهذه الحلول لا تخرج عن منطق القانون 31.13 وروحه، بل تستكمل مقتضاه العملي في ميدان يحتاج إلى مزيد من البيان.

 

المجتمع المدني في المغرب حاضر دستوريًا، وواسع عدديًا، ومتنوع قطاعيًا وترابيًا، غير أن هذا الحضور لا يزال في حاجة إلى ترجمة معرفية مؤسساتية أمتن. فالمطلوب اليوم أن تُعرض هذه الهيئات في معطى عمومي مفتوح، محين، قابل للفحص والمقارنة. لأن ما لا يظهر في صورة منضبطة، لا يُحسن تقويمه، وما لا يُحسن تقويمه، يضعف أثره في المشاركة والمساءلة وصناعة القرار.

المراجع :

 

1.دستور المملكة المغربية لسنة 2011، خاصة الفصلين 12 و27.

2.UNESCO: Monitoring and Reporting on Access to Information، معطيات 139 دولة و125 دولة مشاركة في مسح 2024.

3.المجلس الوطني لحقوق الإنسان: التقرير السنوي 2023/الملخص التنفيذي، أرقام الجمعيات وطلبات الحصول على المعلومات ومتوسط آجال الجواب.

4.لجنة الحق في الحصول على المعلومات (CDAI): الأسئلة المتداولة، نطاق الحق، الجهات المعنية، ومساطر التظلم والطعن.

5.مكتب تنمية التعاون ODCO: الإحصاءات الرسمية، وعدد التعاونيات وطنيا وجهويا، وحصيلة 2025.

 

6.المندوبية السامية للتخطيط HCP: السكان القانونيون لجهة العيون-الساقية الحمراء وإقليم بوجدور وفق نتائج RGPH 2024.

 

7.وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة: دليل المؤسسات الاجتماعية المرخصة، معطيات إقليم بوجدور.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى