مجتمع

حين تلتقي العدالة بالبعد الإنساني: قراءة في تحول السياسة السجنية المغربية

 

صالح داهي : العيون

 

لم تعد المؤسسة السجنية بالمغرب تُقاس فقط بقدرتها على فرض الانضباط وتنفيذ العقوبة، بل أصبحت تُقوَّم، في جانب أساسي منها، بمدى احترامها للكرامة الإنسانية وقدرتها على الموازنة بين متطلبات الأمن والاعتبارات الاجتماعية. وفي هذا السياق، تندرج المبادرة التي شهدتها مدينة العيون، والمتمثلة في تمكين أحد السجناء من زيارة والدته التي ترقد بقسم العناية المركزة، باعتبارها مؤشرًا دالًا على هذا التحول النوعي في تدبير الشأن السجني.

تكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها لا تنطلق من منطق الاستثناء العاطفي، بل من رؤية مؤسساتية مؤطرة قانونيًا، تعكس وعيًا متقدمًا بدور المؤسسة السجنية في الحفاظ على الروابط الأسرية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في مسار الإصلاح وإعادة الإدماج. فالدراسات الاجتماعية تؤكد أن الاستقرار الأسري يشكل أحد أبرز العوامل الداعمة لنجاح سياسات التأهيل وتقليص حالات العود.

إن التعامل الإيجابي مع الحالات الإنسانية الحرجة، كما في هذه الواقعة، يكشف عن مرونة محسوبة في تنزيل النصوص القانونية، حيث لا يتم النظر إلى القانون باعتباره أداة زجرية جامدة، بل إطارًا منظّمًا يسمح بهوامش إنسانية مضبوطة، دون المساس بالأمن العام أو النظام المؤسساتي.

ومن زاوية أخرى، تبرز هذه المبادرة أهمية التنسيق بين مختلف الفاعلين، من إدارة مركزية ومحلية، ومصالح صحية وأمنية، بما يعكس قدرة الإدارة العمومية على الاشتغال بمنطق التكامل المؤسساتي بدل التدبير القطاعي المنعزل. وهو ما يرسخ الثقة في نجاعة السياسات العمومية حين تتوفر الإرادة والوضوح في الرؤية.

كما تحمل هذه الخطوة رسالة رمزية قوية، مفادها أن السجن ليس فضاءً للإقصاء الاجتماعي، بل مرحلة انتقالية تهدف إلى التقويم وإعادة البناء. فالاعتراف بإنسانية السجين، واحترام روابطه الأسرية، لا يتعارض مع مبدأ المحاسبة، بل يعززه، من خلال ترسيخ الإحساس بالمسؤولية والانتماء إلى المجتمع.

في المحصلة، لا يمكن اعتبار مثل هذه المبادرات أحداثًا معزولة، بل لبنات في مسار إصلاحي أوسع، تسعى من خلاله السياسة السجنية المغربية إلى الانتقال من منطق العقوبة المجردة إلى رؤية شمولية تجعل من الإنسان محور الإصلاح، ومن الكرامة أساس العدالة، ومن إعادة الإدماج غاية استراتيجية لأي سياسة سجنية ناجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى