مجتمع

*أطفال الصويرة ضحايا غياب* فضاءات اللعب الآمنة

متابعة  : المولى شاكير

 

مع حلول العطلة الصيفية، تتضاعف حاجة أطفال مدينة الصويرة إلى فضاءات آمنة للعب والترفيه، خصوصا مع هبوب رياح “الشرقي” القوية وطول فترة الفراغ التي يعيشها الأطفال خارج خلال هذه العطلة. غير أن هذه الحاجة المشروعة لترفيه الأطفال تصطدم بواقع مقلق يتمثل في شح فضاءات الألعاب والترفيه المخصصة للأطفال، إلى درجة تكاد معها هذه الفضاءات تكون شبه منعدمة داخل المدينة، وهو ما يطرح سؤالا حقيقيا حول حق أطفال الصويرة في فضاءات ترفيهية آمنة ومهيأة تحميهم من مخاطر الشارع وتمنح الأسر متنفسا ملائما خلال فصل الصيف.

اللعب بالنسبة إلى الطفل ليس ترفا أو مجرد وسيلة لقتل الوقت، بل هو حاجة أساسية لنموه النفسي والجسدي والاجتماعي. ومن خلال اللعب يكتسب الطفل مهارات التواصل والتعاون، وينمي قدراته الحركية والذهنية، ويتعلم احترام القواعد والانضباط، كما يجد متنفسا يساعده على بناء شخصيته وتحقيق توازنه النفسي. ولذلك فإن توفير فضاءات اللعب والترفيه للأطفال ينبغي أن يكون جزء من السياسات المحلية الصويرية، وليس نشاطا موسميا أو مبادرات عابرة.

لكن مدينة الصويرة، رغم مكانتها السياحية والثقافية، ما تزال تعاني من خصاص واضح في هذا المجال. ومع بداية العطلة الصيفية، حيث تتوافد الأسر والزوار ويزداد الإقبال على الأنشطة الترفيهية، تظهر بشكل أكثر وضوحا محدودية الفضاءات المخصصة للأطفال، الأمر الذي يدفع بعض مستغلي أنشطة الألعاب إلى البحث عن أماكن بديلة، من بينها الساحات العمومية والمجالات المحاذية للطرق، بل وأحيانا استغلال أجزاء من الشارع العام.

وتشكل الساحة الموجودة أمام القصر الملكي/ مقر إقامة السيد العامل، باعتبارها فضاء عموميا مفتوحا، نموذجا لهذا الوضع، حيث أصبحت تستقبل بعض الأنشطة الترفيهية الموجهة للأطفال. وبغض النظر عن أهمية هذه الأنشطة في توفير بعض وسائل الترفيه، فإن اختيار هذا الفضاء يثير عددا من الملاحظات المرتبطة بمدى ملاءمته لهذا النوع من الأنشطة، خصوصا عندما يتسبب ذلك في إزعاج الزوار أو عرقلة حركة المواطنين والراجلين، أو عندما تمتد بعض الألعاب إلى محيط الطريق والشارع العام المحاذي للساحة و الذي هو اصلا ضيق و بالكاد يستوعب الحركة المرورية.

والأكثر إثارة للقلق هو استخدام بعض الأطفال لسيارات كهربائية صغيرة وبطيئة الحركة في محيط الشوارع، وهي مركبات قد لا تكون مرئية بشكل كاف للسائقين، خصوصا في أوقات الازدحام، مما يجعل وجود أطفال صغار بالقرب من حركة السيارات أمرا محفوفا بالمخاطر. فالطفل الذي يقود لعبة كهربائية لا يملك بالضرورة القدرة على تقدير مخاطر الطريق أو التعامل مع المفاجآت المرورية، بينما قد لا ينتبه سائق سيارة عابرة إلى وجوده في الوقت المناسب، لا قدر الله، لتقع حادثة قد تكون نتائجها مأساوية.

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة من الجهات المعنية: هل هذه الأنشطة مرخصة وفق القوانين والضوابط الجاري بها العمل؟ وهل تتوفر على التأمينات اللازمة لتغطية المخاطر المحتملة؟ ومن يتحمل المسؤولية المدنية في حالة تعرض طفل لحادث؟ وما هي المسؤولية القانونية في حال ثبت وجود تقصير أو إهمال أو عدم احترام لشروط السلامة؟ وهل تم تحديد فضاءات آمنة بعيدا عن حركة السيارات والمرور؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يراد منه بأي شكل من الأشكال التحريض على أصحاب هذه الأنشطة أو الدعوة إلى منعهم من ممارسة أعمالهم. فهؤلاء بدورهم يقدمون خدمة ترفيهية يحتاج إليها الأطفال، وقد يكونون بصدد البحث عن مورد رزق وفرصة للاستثمار والعمل. لكن المسؤولية تقتضي أن تتم هذه الأنشطة في إطار قانوني ومنظم، يحمي الأطفال  و مستعملي الطريق ويحفظ حقوق أصحاب المشاريع في الوقت نفسه.

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على مستغلي هذه الأنشطة، وإنما تشمل أيضا الجهات المسؤولة عن تدبير المجال العام وتنظيم السير والجولان ومراقبة احتلال الملك العمومي. فترك بعض الأنشطة الترفيهية تستغل الشارع أو محيط الطرق دون تنظيم أو مراقبة كافية قد يؤدي إلى تعريض الأطفال للخطر، كما قد يخلق وضعا تصبح فيه المسؤولية موزعة بين أكثر من طرف في حال وقوع حادث.

إن المطلوب اليوم ليس إغلاق فضاءات الترفيه القليلة الموجودة، وإنما تنظيمها وتقنينها، وتوفير البديل الآمن لها. ومن حق أطفال الصويرة أن يجدوا فضاءات مخصصة للعب، ومن حق الأسر أن تطمئن على سلامة أبنائها، ومن حق أصحاب أنشطة الألعاب أن يمارسوا أعمالهم في ظروف قانونية واضحة، كما أن من حق سكان المدينة وزوارها استعمال الفضاءات العمومية والطرق دون عرقلة أو مخاطر.

ولذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى إطلاق تفكير جدي في إحداث فضاءات دائمة ومهيأة للأطفال داخل مدينة الصويرة، سواء عبر تهيئة حدائق ومنتزهات، أو تخصيص مناطق آمنة للألعاب، أو إبرام شراكات مع القطاع الخاص، أو تنظيم الأنشطة الموسمية وفق دفتر تحملات واضح يحدد شروط الاستغلال والسلامة والتأمين والمسؤولية.

فالصويرة مدينة سياحية عالمية، تستقبل آلاف الزوار خلال فصل الصيف، ومن الطبيعي أن تكون في مستوى انتظارات سكانها وزوارها، وأن توفر لأطفالها فضاءات ترفيهية تليق بمكانتها. وليس من المقبول أن يجد الطفل نفسه مضطرا إلى اللعب في فضاءات غير مهيأة أو بالقرب من حركة المرور، فقط بسبب غياب التخطيط الكافي للمرافق الترفيهية.

إن الاستثمار في فضاءات الأطفال ليس ترفا، بل هو استثمار في الإنسان وفي مستقبل المدينة. فالمدينة التي توفر لأطفالها فضاءات آمنة للعب هي مدينة تحمي طفولتها، والمدينة التي تنظم أنشطتها الترفيهية هي مدينة تحمي مواطنيها وزوارها، والمدينة التي توازن بين حق الاستثمار وواجب حماية السلامة العامة هي مدينة تحسن تدبير مجالها العمومي.

ولذلك، فإن الرسالة اليوم ليست ضد الألعاب ولا ضد أصحابها، بل هي دعوة إلى المسؤولين من أجل التدخل الإيجابي، وتنظيم هذه الأنشطة، وتوفير فضاءات مناسبة لها، ومراقبة شروط السلامة والتأمين، ومنع استغلال الشوارع والممرات المرورية في ألعاب قد تعرض الأطفال للخطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى