حين ينهزم العقل قبل القدم .. قراءة سيكولوجية – فيزيولوجية في ركلة جزاء إبراهيم دياز

فتيحة عزيب : كازابريس
في كرة القدم الحديثة، لا تحسم اللحظات الفاصلة بقوة التسديد ولا بذكاء الخطط فقط، بل بما يجري داخل العقل البشري تحت الضغط.
في إحدى أكثر لحظات المباراة حساسية، تقدم إبراهيم دياز لتنفيذ ركلة جزاء قادرة على تغيير مصير اللقاء، لكن النتيجة جاءت عكس التوقعات. ما حدث لا يمكن اختزاله في إضاعة ركلة جزاء ، بل هو انعكاس مباشر لصراع داخلي معقد بين الجسد والعقل.
الضغط حين يتحول إلى عدو
يجمع علماء النفس الرياضي على أن الأداء يبلغ ذروته عندما يكون مستوى الاستثارة متوازنا ، غير أن هذا التوازن هش .
انتظارات الجماهير، لحظة الحسم
ينقلب الحماس إلى عبئ . في هذه النقطة، يدخل اللاعب ما يعرف بحالة الاختناق تحت الضغط ، حيث تتراجع الدقة بدل أن ترتفع.
ماذا جرى داخل الجسد؟
في أجزاء من الثانية، يعيش الجسد حالة طوارئ بيولوجية. يرتفع إفراز الأدرينالين، فتتوتر العضلات الدقيقة المسؤولة عن التحكم في التسديد. يحدث تشنج متزامن في عضلات متعارضة، فتفقد الحركة مرونتها الطبيعية. بالتوازي، تتشوش الإشارات العصبية القادمة من الدماغ، فيختل التوقيت الحركي بشكل طفيف ، لكنه كاف لتغيير مسار الكرة سنتيمترات حاسمة.
حين يفكر اللاعب أكثر مما يجب
في الظروف العادية، تنفذ ركلة الجزاء تلقائيا ، اعتمادا على ذاكرة حركية مُدربة آلاف المرات. لكن تحت الضغط، يتدخل الوعي بشكل مفرط، فيبدأ اللاعب بمراقبة حركته بدلا من تركها تنساب. هذا التفكير الزائد يعطل آليات الذاكرة العضلية في الدماغ، ويحوّل مهارة بسيطة إلى مهمة معقدة.
الجمهور والذات: معركة خفية
أمام أعين الآلاف، لا يكون الخصم الحقيقي هو الحارس فقط، بل الخوف من الفشل ذاته. ينشغل العقل بصورة اللاعب أمام الجمهور، فيتحول التركيز من الهدف الخارجي (المرمى) إلى الداخل (القلق، التقييم، العواقب). هذا التحول يستهلك الطاقة الذهنية اللازمة للإنجاز الدقيق.
الإرهاق الذهني في لحظة النهاية
بعد مباراة طويلة ومجهدة، لا يكون الإرهاق بدنيا فقط. القدرة على ضبط الانفعال واتخاذ القرار تضعف مع الوقت، فتغدو لحظة التنفيذ أكثر هشاشة نفسيا. هنا، يكفي شرود ذهني بسيط أو توتر زائد ليترجم إلى خطأ حاسم.
إضاعة ركلة جزاء من لاعب بقيمة إبراهيم دياز ليست دليلا على ضعف تقني، بل شهادة على قسوة اللحظة. إنها نتيجة تداخل معقد بين ضغط نفسي، واستجابة فيزيولوجية، وتدخل ذهني زائد.
في كرة القدم، كما في الحياة، أحيانا يخذلنا العقل في اللحظة التي نحتاجه فيها أكثر.




