الصوم: من الإمساك اللغوي إلى الارتقاء الروحي

كتبه: د. يوسف الحزيمري.
كثير من الألفاظ العربية نقلت من معانيها الأصلية المتداولة عند العرب إلى معاني شرعية جديدة جاء بها الإسلام، وقد أطلق ابن فارس على تلك المعاني الجديدة “الأسباب الإسلامية” فقال عن ذلك في الصاحبي: «كَانَتْ العربُ فِي جاهليتها عَلَى إرثٍ من إرث آبائهم فِي لُغاتهم وآدابهم ونسائكهم1 وقَرابينهم. فلما جاءَ الله جلّ ثناؤه بالإسلام حالت أحوالٌ، ونُسِخَت دِيانات، وأبطلت أمورٌ، ونُقِلت من اللغة ألفاظ من مواضعَ إِلَى مواضع أخَر بزيادات زيدت، وشرائع شُرعت، وشرائط شُرطت. فَعفَّى الآخرُ الأوّلَ»[1].
وسماها الإمام السيوطي أيضا في “المزهر في علوم اللغة وآدابها” في النوع العشرون بالألفاظ الإسلامية، فذكر قول الصاحبي آنفا ثم قال: «فكان مما جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق، وإن العربَ إنما عرفتْ المؤمنَ من الأمان والإيمان وهو التصديقُ، ثم زادتَ الشريعةُ شرائطَ وأوصافا بها سُمِّي المؤمنُ بالإطلاقِ مؤمنا»[2]
والصوم من هذه الأنواع قال السيوطي رحمه الله: «وكذلك الصيامُ أصلهُ عندهم الإمساك، ثم زادت الشريعةُ النية، وحظَرت الأكلَ والمباشرة وغيرهما من شرائع الصوم»[3].
والصوم في اللغة كما عند ابن فارس: «(صَوَمَ) الصَّادُ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى إِمْسَاكٍ وَرُكُودٍ فِي مَكَانٍ. مِنْ ذَلِكَ صَوْمُ الصَّائِمِ، هُوَ إِمْسَاكُهُ عَنْ مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ وَسَائِرِ مَا مُنِعَهُ. وَيَكُونُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْكَلَامِ صَوْمًا، قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] ، إِنَّهُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْكَلَامِ وَالصَّمْتِ.
وَأَمَّا الرُّكُودُ فَيُقَالُ لِلْقَائِمِ صَائِمٌ، قَالَ النَّابِغَةُ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ الْعَجَاجِ وَخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُّجُمَا
وَالصَّوْمُ: رُكُودُ الرِّيحِ. وَالصَّوْمُ: اسْتِوَاءُ الشَّمْسِ انْتِصَافَ النَّهَارِ، كَأَنَّهَا رَكَدَتْ عِنْدَ تَدْوِيمِهَا. وَكَذَا يُقَالُ: صَامَ النَّهَارَ»[4]
وقال في “المصباح المنير في غريب الشرح الكبير”: «(ص وم) : صَامَ يَصُومُ صَوْمًا وَصِيَامًا قِيلَ هُوَ مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ فِي اللُّغَةِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْعِ فِي إمْسَاكٍ مَخْصُوصٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ سَيْرٍ فَهُوَ صَائِمٌ»[5].
وفي “المحيط في اللغة”:«وصامَتِ الرِّيْحُ: رَكَدَتْ، والماءُ: سَكَنَ، والشَّمْسُ: اسْتَوَتْ في مُنْتَصَفِ النهارِ.»[6]
فالصوم في اللغة يعبر عن الإمساك، والامتناع، والكف، والترك، ونقل في الشرع إلى إمساك وامتناع مخصوص، فقيل أنه: « الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ»[7]، وقيل هو: «الإمساك عن المفطرات على قصد التقرب»[8]، وقال السرخسي هو: « الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشهوتين جَمِيعًا»[9]، وقيل هو: «الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ مَعَ النِّيَّةِ»[10]، وعرفه الإمام المازري بأنه: « ترك الطعام، والشراب، والجماع، وتكرير حبس النفس عن شهواتها»[11].
والتعريف الشرعي الجامع هو: «الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس والأعياد»[12] .
ومن المعاني الجليلة للصوم أنه “الصبر” أو “السياحة”، وهو من المعاني الذائقة التي استنبطها الإمام “سفيان ابن عيينة”، قال أَبُو عبيد: «وَبَلغنِي عَن سُفْيَان بْن عُيَيْنَة أَنه فسر قَوْله: (كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ) قَالَ: لِأَن الصَّوْم هُوَ الصَبر، يصبر الْإِنْسَان عَن الْمطعم وَالْمشْرَب وَالنِّكَاح، ثُمَّ قَرَأَ {إنَّمَا يُوفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ}، يَقُول: فثواب الصَّبْر لَيْسَ لَهُ حِسَاب يُعلم من كثرته، وَمِمَّا يُقَوي قَول سُفْيَان الَّذِي يرْوى فِي التَّفْسِير قَول اللَّه تبَارك وتَعَالَى {السَّائِحُوْنَ} قَالَ هُوَ فِي التَّفْسِير: الصائمون، يَقُول: فَإِنَّمَا الصَّائِم بِمَنْزِلَة السائح لَيْسَ يتلذذ بِشَيْء»[13].
وجاء في “نوادر الأصول في أحاديث الرسول” (3/ 108): «عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الصَّائِم الصابر).
الصَّوْم هُوَ أَن يعزم على أَن يكف عَن الطَّعَام وَالشرَاب ومباشرة النِّسَاء طول النَّهَار، والصائم كل سَاعَة تَتَرَدَّد فِيهِ شَهْوَة الطَّعَام وَالشرَاب وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَمْنُوع مِنْهُ فَرد شَهْوَته وتجرعت نَفسه مرَارَة الرَّد فَهُوَ صابر يَتَجَدَّد عَلَيْهِ الصَّبْر سَاعَة بعد سَاعَة عِنْد تحرّك كل شَهْوَة فِي نَفسه وَمنعه مِنْهَا فَهُوَ يردهَا وَيثبت على الْوَفَاء بنذره فَسُمي الصَّائِم الصابر وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) …، لِأَنَّهُ كلما ترددت شَهْوَة تَجَدَّدَتْ للْعَبد عَزمَة على الثَّبَات فَلهُ بِكُل عَزمَة ثَوَاب جَدِيد»[14].
وهذه المعاني الجميلة والجليلة والتي يتصف بها الصائم في صومه، من إمساكه عن الأكل والشرب، وامتناعه عن شهوة الجماع، وكفه عن الأذى، وضمانه لما بين لحييه عن أن يقع في الأمراض القلبية من الحسد والغيبة والنميمة، أو أن يقع في الرفث والفسوق، كل ذلك مع سياحته في العبادة ليصل إلى أسمى ما يتذوق من حلاوتها، قلت هذه المعاني هي ما يصف به ارباب القلوب الصوم، ويجعلونه أقساما: «صوم العوام: الذي هو عبارة عن ترك الأكل والشرب والجماع.
وصوم الخواص: الذي هو عبارة عن امتناع السّمع والبصر واليد والقدم وسائر الجوارح عن المعاصي حتى لا تبدر منه معصية بأيّ عضو من أعضائه وإلّا فلا.
وصوم خواص الخواص: فهو عبارة عن منع القلب عن الهمم الدنية والأذكار الدنيوية وجميع ما سوى الله تعالى»[15].
في الختام، يبقى الصوم رمزًا للعروج في مدارج السالكين والتقرب إلى الله، وهو فرصة للمسلمين لتعزيز روحانيتهم وتطهير نفوسهم، بتجاوز المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية، حيث يصبح الصوم رحلة روحية تعزز القيم الإنسانية والاجتماعية، وتجعلنا أكثر وعيًا بأهمية العطاء والتسامح.
الهوامش:
1. «الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها» (ص44)
2. «المزهر في علوم اللغة وأنواعها» (1/ 235)
3. «المزهر في علوم اللغة وأنواعها» (1/ 236)
4. «معجم مقاييس اللغة» (3/ 323)
5. «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» (1/ 352)
6. «المحيط في اللغة» (8/ 207)
7. «الفصول في الأصول» (4/ 100)
8. الهداية في شرح بداية المبتدي» (2/ 335)
9. «أصول السرخسي = تمهيد الفصول في الأصول – ت الأفغاني» (2/ 153)
10. «الاختيار لتعليل المختار» (4/ 72)
11. «إيضاح المحصول من برهان الأصول» (ص209)
12. الثمر الداني (293) . وانظر: الذخيرة للقرافي (2/485) ، والبيان والتحصيل لابن رشد (2/303) ، والشرح الكبير (1/239) ، والتفريع لابن الجلاب (1/301) ، والمعيار للونشريسي (1/410) .
13. «غريب الحديث – أبو عبيد – ط الهندية» (1/ 326)
14. «نوادر الأصول في أحاديث الرسول» (3/ 108)
15. «كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم» (2/ 1104)




