مجتمع

دبلوماسية الوضوح و التمكين: قراءة جيوسياسية في المخرجات الإستراتيجية لقمة نيويورك الثلاثية

 

بقلم: البراق شادي عبد السلام

 

تتحرك المملكة المغربية في الفضاء الدولي بصفتها دولة ذات سيادة كاملة، إذ تستند في علاقاتها الخارجية إلى عقيدة دبلوماسية قوامها وضوح الرؤية وثبات الموقف، وتجعل من شؤونها الداخلية ووحدتها الترابية خطا احمر عصيا على المساومة أو الابتزاز السياسي. وبناء على ذلك، يأتي لقاء نيويورك الثلاثي برعايته الأمريكية المباشرة ليكرس مرحلة الوضوح الاستراتيجي التي أرسى دعائمها جلالة الملك محمد السادس، حيث تفرض الرباط شروطها السيادية ببراغماتية صارمة، محولة الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء إلى التزامات قانونية ومؤسسية دائمة وثابتة عبر الارتقاء بالتمثيل الدبلوماسي المشترك إلى أعلى مستوياته السياسية، الأمر الذي يثبت للعالم أن القرار الوطني ينبع من مصالح المملكة العليا.

 

ومن هذا المنطلق، يتضح من خلال القراءة المعمقة لمجريات قمة نيويورك الثلاثية، التي جمعت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر بتنسيق ورعاية مباشرة من السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، أن صناعة القرار الاستراتيجي في المملكة تسير وفق الرؤية الملكية المتبصرة وعقيدة جيوسياسية هادئة وطويلة النفس، ترتكز على تفكيك عناصر الأزمات الإقليمية المركبة، إلى جانب تحويل التهديدات المحيطة بالمجال الإقليمي للمملكة إلى فرص استراتيجية لبناء القوة الشاملة وتوسيع رقعة النفوذ الدبلوماسي للمملكة في حوض البحر الأبيض المتوسط والعمق الأطلسي الإفريقي.

 

وفي هذا السياق، يأتي هذا اللقاء الرفيع في سياق زمني ودبلوماسي بالغ الحساسية والدقة على هامش الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة ليعيد صياغة معادلة التوازن الإقليمي بناء على مكاسب سيادية صلبة ومحققة، وفي مقدمتها المفاعيل القانونية والسياسية لبيان واشنطن الرئاسي الصادر في ديسمبر ألفين وعشرين القاضي بالاعتراف بمغربية الصحراء، وكذا القرار السيادي لتل أبيب الصادر في يوليو ألفين وثلاثة وعشرين. ويرتبط هذا التطور النوعي بقدرة الرباط الصارمة على تكريس المواقف السياسية المرنة للقوى الفاعلة وتحويلها إلى التزامات قانونية ومؤسسية دائمة ومؤطرة بالاتفاقيات الدولية؛ حيث يشكل الانتقال من الصيغ الإدارية المؤقتة لمكاتب الاتصال نحو تبادل السفراء و تعيينهم خطوة حاسمة نحو مأسسة الشراكات البنيوية وتأصيلها الكامل، مما يقوض الهوامش التكتيكية للمناورات الإقليمية المضادة، ويثبت بالنتيجة واقعية الدبلوماسية المغربية القائمة على حتمية الاعتراف بالسيادة الترابية كمنطلق وحيد لبناء الشراكات الدولية.

 

وتأسيسا على ما سبق، تستند المملكة في هذا المنعطف الجيوسياسي البارز إلى تماسك الجبهة الداخلية والتحام الوعي الوطني خلف الاختيارات الاستراتيجية للمؤسسة الملكية، بينما تتكامل هذه الحركية الدبلوماسية مع المفهوم الحديث للأمن القومي القائم على امتلاك قدرات عسكرية رادعة ومنظومات دفاعية وتكنولوجية متطورة جرى نقل وتوطين صناعاتها المتقدمة محليا لتحقيق التفوق النوعي وحماية الحدود البرية والبحرية. وتندرج هذه الصيرورة ضمن تحالفات دولية وثيقة الصنع متقاطعة المصالح ومتعددة الأبعاد، تجمع بين عمق المبادرة الأطلسية الإفريقية والشراكة الاستراتيجية المستدامة مع واشنطن، والتعاون التقني والاستخباراتي الدقيق المتصل بالأمن السيبراني والدفاع الجوي.

 

نتيجة لذلك، يكرس هذا التموضع البنيوي عهدا جديدا من السيادة الكاملة والندية المطلقة في تدبير الملفات المصيرية للمملكة، إذ تتجاوز الدبلوماسية المغربية مقاربات التكيف التقليدية لتنتقل إلى مصاف القوى الإقليمية المؤثرة والصانعة للاستقرار والأمن الجيو-إقتصادي في منطقة غرب المتوسط وحوض الأطلسي، فارضة معادلة دبلوماسية متوازنة تفصل بين حماية المصالح العليا للمملكة المغربية وبين المواقف الثابتة والراسخة في القضايا العادلة للملف الفلسطيني والالتزام التاريخي والروحي الثابت بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى دعم مسارات السلام في الشرق الأوسط وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفق القرارات الدولية وفي مقدمتها القرار الأممي 2803، بما يجسد الدور المحوري للمملكة في مجلس السلام ويمنح الرباط هوامش مناورة واسعة للتحرك كطرف دولي وازن وقناة وساطة حصرية وموثوقة في قضايا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

تتكامل هذه الرؤية الاستراتيجية مع كون قرار المملكة المغربية بإعادة العلاقات الثنائية مع إسرائيل في ديسمبر 2020 قد اتخذ في مناخ إقليمي ودولي عرف تصاعد المطالب الدولية للدفع بعملية السلام وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال منذ عقود، إذ قامت المملكة بهذه الخطوة انطلاقا من مواقفها الثابتة إزاء القضايا العادلة وتتويجا لتقدير موقف دقيق للوضع الجيوسياسي ومدى تأثيره على خلق فرص حقيقية للسلام؛ وهو ما أثبتته بوضوح أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها المركبة التي أظهرت عبقرية العقل الاستراتيجي المغربي وقراءته الاستشرافية لطبيعة التغيرات في الشرق الأوسط وحضوره الفاعل كأحد صناع الاستقرار. إن صياغة هذا القرار الدبلوماسي أتاح للمملكة، وفق التوجيهات الملكية السامية، التموضع كقوة إقليمية ذات مصداقية عالية تؤدي أدوارا طلائعية عبر قواعد التعامل الندي، متسلحة بحضورها الدائم في النزاع من خلال ترؤس جلالة الملك محمد السادس لجنة القدس، حيث تتكامل المساعي السياسية مع العمل الميداني لوكالة بيت مال القدس الشريف لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية واليهودية تحت مظلة إمارة المؤمنين. وطوال فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ظلت الدبلوماسية المغربية متمسكة باستقلالية قرارها السيادي المرتبط حصرا بالمصالح الوطنية العليا وأولويات الأمن القومي، قاطعة الطريق على بعض الدوائر والجهات الداخلية والخارجية ذات الأجندات النفعية التي حاولت استغلال حالة التعاطف الإنساني والارتباط الوجداني للمغاربة بالقضية الفلسطينية عبر شحنات من الخطاب التيئيسي والمزايدات الانتخابية الضيقة التي كشفت عن فهم ميكانيكي قاصر للتوازنات الدولية وتجاهل مريب للأولويات الوطنية. وفي مقابل هذا الطرح العدمي، أثبتت المملكة مسؤوليتها التاريخية والعملية بصفتها في طليعة الدول التي شجبت العدوان، وقدمت المساعدات الطبية والغذائية عبر فتح طريق بري غير مسبوق لإغاثة سكان غزة، و الإنخراط الطليعي في مبادرات السلام الإقليمية و الدولية محولة الالتزام التاريخي بالحق المشروع للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية إلى مبادرات إنسانية وسياسية ملموسة تعكس الوعي المتقدم للشعب المغربي وتلاحمه مع الرؤية الملكية السامية بعيدا عن المتاجرة بالقضايا العادلة.

 

وفي الامتداد ذاته، تكمن القيمة المضافة لهذا الحدث الدبلوماسي البارز في قدرة المملكة الاستباقية على تحجيم محاولات الاختراق الجيوسياسي ومواجهة حروب الجيل الخامس التي تقودها قوى إقليمية ودولية تسعى لزعزعة الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي و غرب المتوسط، حيث يشكل التنسيق الأمني والعسكري الرفيع، متعدد المستويات والأبعاد بين الرباط و واشنطن وتل أبيب، حائط صد منيعا وشبكة أمان استراتيجية تمنع استغلال الهشاشة الأمنية وتمدد التنظيمات العابرة للحدود في مناطق جنوب الصحراء لتهديد المصالح الحيوية العليا للمغرب.

 

ومن ثمة، يسهم هذا التعاون البنيوي المتطور في تعزيز الترتيبات الدفاعية للمملكة عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة، وتوطين تكنولوجيا الرصد المبكر، وتطوير المنظومات الدفاعية المتقدمة، مما يمكن القوات المسلحة الملكية من إحكام مراقبة الحدود وحفظ الأمن القومي من التهديدات غير النمطية. وبالموازاة مع ذلك، تتقاطع هذه الترتيبات الأمنية الصارمة مع المبادرة الملكية الأطلسية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط، مما يحول المنطقة من بؤرة للتوتر والنزاعات إلى فضاء للتعاون الجيواقتصادي المشترك والتنمية المستدامة والاندماج الإقليمي.

 

وعليه، يكرس هذا التموضع المشترك مكانة المملكة كقوة إقليمية صاعدة وبوابة حصرية وضامن رئيسي للأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي في الواجهة الأطلسية لإفريقيا، حيث يربط المغرب بذكاء ودقة بين المقاربة الأمنية الدفاعية الردعية وبين المشاريع التنموية الكبرى عابرة القارات، الأمر الذي يجعل من الفضاء الأطلسي الإفريقي منطقة نفوذ حيوية ومحصنة تحت القيادة المغربية، وبدعم من الشركاء الدوليين الكبار لقطع الطريق أمام المحاور الإقليمية والدولية المنافسة.

 

وبناء على هذه المعطيات الاستراتيجية المتقدمة، يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تنزيلا تدريجيا وبراغماتيا لبنود هذا الاتفاق الثلاثي عبر تفعيل اللجان المشتركة وتوسيع نطاق التبادل التجاري والسياحي والثقافي، بما يخدم المصالح الحيوية العليا للشعب المغربي ويقوي دعائم الدولة الاجتماعية القوية، في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس المستنيرة التي تضع أمن الوطن وسيادته وازدهاره فوق كل اعتبار، وتدير التوازنات الدولية المعقدة بحكمة واقتدار وثقة في المستقبل الواعد للمملكة المغربية.

 

إضافة إلى ذلك، يتجاوز هذا المسار التنفيذي الأطر الدبلوماسية التقليدية نحو صياغة شراكات استثمارية واقتصادية متطورة تلامس قطاعات حيوية مرتبطة بالأمن القومي للمملكة في القرن الحادي والعشرين، وفي مقدمتها تكنولوجيا تحلية المياه، وصناعات الطاقات المتجددة والنظيفة، والأمن الغذائي، والصناعات الرقمية والذكاء الإصطناعي، حيث إن مثل هذه الاستثمارات الكبرى والتدفقات المالية النوعية تسهم في تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني وتنمية الأقاليم الجنوبية للمملكة، مما يحول المكاسب السياسية والعسكرية إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة والريادة الاقتصادية القارية.

 

وبالمثل، يواكب هذا التنزيل البراغماتي ترسيخ للبعد الثقافي والإنساني المشترك مستندا إلى الخصوصية التاريخية للمملكة، وباعتبار الجالية العبرية المغربية رافدا من روافد الهوية الوطنية الغنية والمتعددة، إذ تتيح هذه الروابط الإنسانية العميقة تعزيز قنوات الدبلوماسية الموازية وبناء جسور تواصل دائمة تخدم المصالح العليا للمملكة في المحافل الدولية وتدعم جاذبيتها السياحية والاستثمارية، لتدخل المملكة عهدا جديدا من التمكين الشامل القائم على التوازن الدقيق بين حماية الحدود الوطنية وصناعة الازدهار الاقتصادي والاجتماعي.

 

وختاما، تؤصل هذه الدينامية المتقدمة لولوج المملكة مرحلة جديدة من التمكين الجيوسياسي، حيث نجحت الرباط في صياغة واقع إقليمي جديد يتجاوز المقاربات الدبلوماسية التقليدية نحو فرض معادلة الندية الكاملة والسيادة المطلقة في تدبير ملفاتها المصيرية الكبرى. كما يتجاوز هذا التحول التاريخي حدود المصالح الثنائية المؤقتة نحو صياغة أفق استراتيجي مستدام يكرس المغرب كقوة إقليمية صاعدة وصانعا رئيسيا للاستقرار والأمن الجيو-اقتصادي والدفاعي في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط والواجهة الأطلسية لإفريقيا، مستندا إلى تحالفات دولية وثيقة الصنع وجبهة داخلية صلبة قادرة على مواجهة كافة التحديات المستقبلية بثقة وإقتدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى