أحمد الشرعي.. لماذا يخاف بعضهم من صحافي قال ما يؤمن به؟

ربما لا توجد علامة أوضح على هشاشة الخطاب السياسي من أن يتحول رأي صحافي إلى حالة طوارئ. أحمد الشرعي كتب افتتاحية، أعلن فيها موقفا من الحداثة ومن مشروع سياسي معين، ثم وجد نفسه في مواجهة موجة من الهجوم تجاوزت في بعض الحالات مضمون ما كتب إلى شخصه وماضيه ونواياه.
لو كان الخلاف فكريا فعلا، لكان الأمر بسيطا. مقال يرد على مقال، وحجة تواجه حجة، وموقف سياسي يواجه بموقف سياسي. لكن عندما يصبح السؤال كيف نسقط الرجل بدلا من كيف نفند الفكرة، فإننا نكون أمام مشكلة في طريقة إدارة الخلاف نفسها.
الشرعي ليس فوق النقد، وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة. لكنه أيضا ليس تحت القانون السياسي الجديد الذي يريد البعض فرضه، حيث لا يصبح من حق الناشر أن يعلن موقفا إلا إذا كان موقفه يرضي الاصوات التي تعتبر نفسها وصية على المجال العام.
هناك شيء يزعج هؤلاء أكثر من موقف الشرعي نفسه، وهو وضوحه. فالوضوح السياسي يربك الخطابات التي تعيش على المنطقة الرمادية، لأن الشخص الذي يقول أنا مع هذا الخيار ويشرح لماذا اختاره يصبح أصعب في المناورة من شخص يترك الجميع يخمنون موقعه.
وهنا نفهم لماذا تحولت بعض الردود إلى البحث في الماضي. الماضي مادة مهمة للصحافة عندما يستخدم لفهم الحاضر، لكنه يتحول إلى أداة تشويه عندما يستعمل لإلغاء الحاضر. ومن حق الجمهور أن يعرف مواقف أي شخصية عامة السابقة، لكن ليس من حق أحد أن يحول الأرشيف إلى محكمة دائمة.
أما أكثر ما يكشف تناقض الخطاب فهو قضية المرأة. فمجرد طرح احتمال أن تصل امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يجب أن يرعب أحدا، لأن السؤال الديمقراطي ليس هل هي امرأة، وإنما هل هي مؤهلة، وما برنامجها، وما قدرتها على تدبير الدولة، وما مدى قبول الناخبين بها.
إذا كان الاعتراض على المرأة لأنها امرأة، فنحن أمام مشكلة واضحة. وإذا كان الاعتراض على شخص معين، فليكن النقاش حول كفاءته وبرنامجه وسجله. أما وضع المرأة كلها في قفص الشبهة السياسية بسبب جنسها، فهو موقف يحتاج إلى الدفاع عنه أكثر مما يحتاج الشرعي إلى الدفاع عن افتتاحيته.
لقد تغير المجتمع المغربي، وتغيرت مكانة المرأة فيه، وأصبحت حاضرة في مجالات كان الوصول إليها قبل عقود يبدو صعبا. لذلك فإن العودة إلى خطاب يرى المرأة في موقع القيادة باعتبارها استثناء مخيفا ليست محافظة فقط، بل هي محاولة لإعادة تعريف المستقبل بأدوات الماضي.
والأمر نفسه ينطبق على الحداثة. يمكن أن يختلف الناس حول مفهومها، وهذا طبيعي، لكن لا يمكن أن تتحول كلمة الحداثة إلى تهمة. من يرفضها عليه أن يقول لماذا، وما البديل الذي يقترحه، وأي مجتمع يريد أن يبني.
أما محاولة تصوير كل حداثي باعتباره خطرا على المجتمع فهي طريقة قديمة في إدارة الخوف. إنها تجعل الاختلاف السياسي معركة وجودية، ثم تمنح أصحابها حق استعمال كل الوسائل ضد الخصم.
ومن هنا فإن معركة الشرعي ليست معركة شخص واحد. إنها اختبار لما إذا كان المجال العمومي المغربي قادرا على استيعاب الاختلاف، أم أن بعض الاصوات تريد تحويل السياسة إلى غرفة مغلقة لا يدخلها إلا من حصل على موافقتها.
لا يحتاج الشرعي إلى حصانة من النقد. يحتاج فقط إلى الشيء الذي يحتاجه كل مواطن وصحافي وناشر: أن يكون له الحق في الكلام، وأن يواجه ما قاله بالحجة، لا بمحاولة اسكاته.




