أخبار وطنية

الحي المحمدي على إيقاع المجموعات في ليلة فنية تستحضر الذاكرة وتحتفي بمسار عبد المجيد مشفيق

من ذاكرة الحي المحمدي إلى وجدان المغاربة عبر مهرجان الظاهرة الغيوانية وهو يحتفي بالإبداع والوفاء في دورته الخامسة

بقلم : حنان قوتي 

دورة الفنان عبد المجيد مشفيق، تحت شعار «ظاهرة المجموعات في خدمة الوحدة الوطنية»… افتتاح يجمع بين الذاكرة المسرحية والإبداع الموسيقي والاحتفاء بإرث الأغنية المغربية الأصيلة.

في أجواء ثقافية وفنية استثنائية، وبحضور نخبة من الفنانين والباحثين والكتاب والصحفيين والإعلاميين والنقاد والمهتمين بالشأن الثقافي، احتضنت قاعة أم كلثوم الخطيب، بسينما الميراج والموحدين بالحي المحمدي، مساء الأربعاء 28 أكتوبر 2026، فعاليات اليوم الأول من الدورة الخامسة لمهرجان الظاهرة الغيوانية، دورة الفنان عبد المجيد مشفيق، المنظمة تحت شعار: «ظاهرة المجموعات في خدمة الوحدة الوطنية».

جاء افتتاح هذه الدورة محمّلاً بدلالات ثقافية وفنية تتجاوز الطابع الاحتفالي، لتجدد الصلة بذاكرة فنية مغربية شكلت، على امتداد عقود، أحد أبرز روافد التعبير الموسيقي الشعبي، وأسهمت في ترسيخ الأغنية الغيوانية باعتبارها تجربة إبداعية متفردة، استمدت قوتها من عمق التراث المغربي ومن قدرتها على ملامسة قضايا الإنسان والمجتمع.

استُهل البرنامج بعرض فني يحمل عنوان «دوك اللي ونسوك»، في تجربة إبداعية جمعت بين الشريط السمعي البصري والمشهد المسرحي الحي مع الفنان عطير ، ضمن معالجة فنية و استحضر المسار الإبداعي للفنان عبد المجيد مشفيق، وأعيد تقديم محطات من ذاكرته الفنية في قالب يجمع بين الصورة والتشخيص. لم يكن العرض مجرد فقرة افتتاحية عابرة، بل شكّل مدخلاً فنياً لاستحضار مسار فنان ارتبط اسمه بالذاكرة الغيوانية، من خلال رؤية فنية سعت إلى تحويل محطات من تجربته إلى مشاهد حية تستحضر أثر الزمن ووفاء الذاكرة، وتمنح الاحتفاء بعداً إنسانياً وجمالياً. وقد أضفى هذا الاختيار على الافتتاح خصوصية واضحة، إذ التقت فيه أدوات التعبير المسرحي مع إمكانات الصورة والتوثيق، في محاولة لإبراز أن الاحتفاء بالفنان لا يقتصر على تكريمه في لحظة عابرة، وإنما يمتد إلى استعادة تجربته والإنصات إلى ما راكمه من عطاء وإسهام في المشهد الفني المغربي. وعقب العرض الافتتاحي، انتقلت الأجواء إلى فضاء السهرة الفنية، التي عرفت مشاركة مجموعة السهام ومجموعة أوتار، إلى جانب فقرة احتفت بالألبوم الغنائي لمجموعة ناس الغيوان، في برنامج موسيقي استحضر تنوع التجارب الغنائية المغربية وامتداد تأثيرها في الذاكرة الجماعية.

قدمت مجموعة السهام حضورها الفني ضمن هذه الأمسية، مستعيدة صلتها بجمهور الأغنية الملتزمة والتجارب الموسيقية التي طبعت المشهد المغربي. كما ساهمت مجموعة أوتار في إغناء فقرات السهرة، بما أضفى على البرنامج تنوعاً فنياً يعكس تعدد روافد ظاهرة المجموعات. أما فقرة ناس الغيوان، فقد شكلت إحدى أبرز لحظات الأمسية، حيث استعاد الجمهور أجواء الأغنية الغيوانية وما تحمله من شحنة وجدانية ورمزية، في تفاعل لافت أعاد إلى الأذهان المكانة التي احتلتها هذه التجربة في الوجدان المغربي. وتجاوب الحاضرون مع الأداء والألحان، في مشهد عكس استمرار ارتباط أجيال مختلفة بهذا اللون الموسيقي، الذي لم يفقد قدرته على استحضار الذاكرة وتحريك المشاعر.

ولعل ما منح هذه اللحظة خصوصيتها هو أن الأغنية الغيوانية لم تكن مجرد مادة للفرجة، بل شكلت جسراً بين الماضي والحاضر، وبين جيل أسس لهذه التجربة الفنية وأجيال ما تزال تجد في أعمالها تعبيراً عن جزء من هويتها الثقافية والوجدانية. تكتسب هذه التظاهرة دلالة خاصة بالنظر إلى ارتباط الحي المحمدي بتاريخ الظاهرة الغيوانية، باعتباره فضاءً احتضن بدايات تجارب موسيقية ومسرحية وشعبية أسهمت في تشكيل ملامح الإبداع المغربي المعاصر. فالحديث عن ناس الغيوان ومجموعات الأغنية الملتزمة لا ينفصل عن الذاكرة الاجتماعية والثقافية لهذا الحي، الذي ظل حاضراً في مسار عدد من الأسماء والتجارب الفنية التي تجاوز إشعاعها حدود المكان، لتصبح جزءاً من الرصيد الثقافي الوطني.

من هذا المنطلق، لا يقتصر دور مهرجان الظاهرة الغيوانية على تقديم عروض موسيقية أو تنظيم لحظات احتفالية، بل يتجاوز ذلك إلى تثمين الذاكرة الفنية المحلية، وإعادة الاعتبار لرموزها، وفتح فضاءات للتلاقي بين الفنانين والمثقفين والباحثين والإعلاميين والجمهور، بما يعزز حضور الثقافة باعتبارها رافعة للهوية والتواصل والوحدة الوطنية.

كما أن اختيار شعار «ظاهرة المجموعات في خدمة الوحدة الوطنية» يطرح أفقاً ثقافياً يتجاوز حدود الأداء الفني، ويبرز قدرة التعبير الموسيقي الجماعي على توحيد الوجدان، والاحتفاء بالتعدد الثقافي المغربي، واستحضار القيم المشتركة التي تجمع المغاربة.

كما تحمل الدورة الخامسة، دورة الفنان عبد المجيد مشفيق، رسالة واضحة في تثمين المسارات الفنية والاحتفاء بالأسماء التي أسهمت في إغناء المشهد الثقافي المغربي. وهي مناسبة لتكريس ثقافة الاعتراف بالعطاء الإبداعي، وربط الاحتفاء بالفنان بالتعريف بتجربته وصيانة أثره في الذاكرة الجماعية.وليعكس حضور نخبة من الأسماء الثقافية والإعلامية والفنية والبحثية، إلى جانب المهتمين، أهمية هذه المواعيد في خلق فضاءات للحوار والتفاعل وتبادل الرؤى حول التراث الفني المغربي، بعيداً عن اختزال الثقافة في بعدها الاستعراضي.

وهكذا، جاء اليوم الأول من مهرجان الظاهرة الغيوانية بالحي المحمدي ليجمع بين العرض المسرحي والتوثيق السمعي البصري والاحتفاء الموسيقي، في افتتاح استعاد صفحات من الذاكرة الفنية المغربية، وجدد التأكيد على أن الإبداع الأصيل يظل قادراً على التواصل مع الأجيال، متى وجد من يصونه ويحتفي به ويمنحه فضاءات الاستمرار.

فالحي المحمدي لا يستحضر الظاهرة الغيوانية باعتبارها صفحة من الماضي فحسب، بل باعتبارها ذاكرة فنية حية، وإرثاً ثقافياً يستحق أن يظل حاضراً في وجدان الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى