مجتمع

المقرات الحزبية بين مسؤولية التأطير وكسل التدبير

 

بقلم الدكتور جمال العزيز

 

المقرات الحزبية مؤسسات للتأطير السياسي والتكوين المدني، تبنى داخلها شخصية المناضل، وتصقل فيها مهارات النقاش العمومي، ويعاد عبرها ربط السياسة بالمجتمع. فالمقر الحزبي، حين يؤدي دوره الطبيعي، يتحول إلى مدرسة سياسية حقيقية تمنح المناضلين شعور الإنتماء إلى إطار جماعي يحمل فكرة ومشروع ورؤية.

 

إن المقر الحزبي يمثل مصدر الشرعية النضالية داخل التنظيم، لأنه يمنح المناضلين فضاء حقيقيا للتفاعل والمبادرة والعمل الجماعي. فمن داخل هذه الفضاءات تنشأ النقاشات، وتتبلور الأفكار، وتتشكل القيادات القادرة على مواكبة التحولات السياسية والإجتماعية.

 

غير أن هذا الدور الحيوي قد يتراجع حين يسود كسل التدبير التنظيمي، وحين تتحول المسؤوليات الحزبية من مهام تأطيرية إلى مواقع للإمتيازات أو منصات لإدارة الصمت التنظيمي والفتن الخفية والكذب ، والولاءات الشخصية والسلطة الوهمية ومصدر الإسترزاق المادي والمعنوي . ففي بعض الحالات، يغيب المسؤول التنظيمي عن الميدان، وينشغل بحسابات ضيقة أو بصراعات صامتة، بينما يبقى المقر الحزبي في حالة ركود، فاقدا لدوره الحيوي في التأطير والتكوين.

 

ويتجلى هذا الخلل بشكل أكثر وضوحا حين تتحول أبسط الإلتزامات التدبيرية، مثل أداء واجبات كراء المقرات في وقتها، إلى إشكالات مزمنة تتراكم معها الأشهر دون تسوية. حينها لا يصبح الأمر مجرد خلل إداري عابر، لكن يتحول إلى مؤشر على ضعف في ثقافة التدبير داخل التنظيم. فالمقر الحزبي الذي يُفترَض أن يكون رمزا للإستقرار التنظيمي يجد نفسه مهددا في أي لحظة بالإفراغ، في مشهد يضع المناضلين في وضعية محرجة تمس بكرامة العمل الحزبي.

 

إن المناضلين الذين يحملون الفكرة ويؤمنون بالمشروع السياسي يحتاجون إلى فضاء يعكس جدية التنظيم ويجسد احترام التزاماته. وعندما تتراكم اختلالات التدبير، يبدأ الإحساس بالإنتماء في التراجع تدريجيا، لأن المناضل لا يبحث فقط عن خطاب سياسي موسمي لتأتيث المشهد، لكن يريد نموذجا تنظيميا يجسد قيم المسؤولية والإنضباط.

 

ولا يمكن الحديث عن حيوية المقرات الحزبية دون التوقف عند دور المنتخبين في التواصل المستمر مع المناضلين والمتعاطفين والجميع. فالمقر الحزبي ينبغي أن يكون فضاء للقاء المنتخبين بقواعدهم الحزبية، وللنقاش حول قضايا الشأن العام المحلي والجهوي والوطني. إن المنتخب الذي يحمل مسؤولية تمثيل المواطنين مطالب بأن يحافظ على جسور التواصل داخل المقرات الحزبية منذ بداية الولاية الإنتدابية، لا أن يكتفي بزيارات موسمية مرتبطة بمواعيد الإنتخابات وضمان التزكية(منطق زكيني نزكيك ياحبيبي ونولي ليك).

 

يتأسس التواصل الحقيقي على لقاءات منتظمة، وعلى نقاشات مفتوحة مع المناضلين والمتعاطفين، تُعرَض فيها الحصيلة وتُناقَش فيها الإكراهات والتحديات. ومن داخل هذه اللقاءات يتجدد المعنى الحقيقي للتمثيلية السياسية، حيث يشعر المناضل بأن صوته مسموع وأن دوره يتجاوز لحظة التصويت.

 

إن تحويل المقرات الحزبية إلى فضاءات للحوار الدائم بين المنتخبين والمناضلين يساهم في ترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها المساءلة والتواصل والشفافية، بدل الإقتصار على خطاب تعبوي موسمي يطفو أشهر قبل الإستحقاقات الإنتخابية ويختفي مباشرة بعد نهاية الإقتراع .

 

وإذا أخذنا جهة سوس ماسة نموذجا، باعتبارها فضاء سياسيا حيويا يتميز بحركية اقتصادية واجتماعية مهمة، فإن الرهان على تأهيل المقرات الحزبية يصبح أكثر إلحاحا. فهذه الجهة التي تعرف دينامية تنموية متسارعة تحتاج بدورها إلى نخب سياسية قادرة على مواكبة التحولات وتأطير المجتمع، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون مقرات حزبية حية تشكل منصات للنقاش والتكوين واستقطاب الكفاءات.

 

إن الأحزاب التي تطمح إلى تجديد مسارها و حضورها المجتمعي، مطالبة اليوم بإعادة الإعتبار للمقر الحزبي كفضاء للتكوين السياسي المستمر للشباب والطاقات الجديدة.

 

إن المقر الحزبي مرآة تعكس جدية التنظيم وقوة حضوره في المجتمع. فإذا كان نابضا بالحياة والتأطير، انعكس ذلك إيجابا على ثقة المناضلين وعلى صورة الحزب في المجتمع. أما إذا ظل رهين الإهمال والكسل التدبيري ، فإنه يتحول إلى دكان سياسي عقيم.

 

الفعل السياسي في جوهره، فن بناء الثقة داخل المؤسسات في زمن التحولات المتسارعة، يبقى الرهان الحقيقي هو إعادة الإعتبار للسياسة كفعل نبيل لبناء مغرب الجهات والمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى