مجتمع

من يعيّن رئيس الحكومة في المغرب؟

بقلم : الحسان الغوالي

 

 

حين يصبح السؤال امتحانًا للدستور

ثمة أسئلة تبدو سهلة لأن ألفاظها قليلة. نسمعها مرة، فنظن أن جوابها لا يحتاج إلى أكثر من سطر. ثم نقترب منها قليلًا، فإذا بالسطر الواحد يفتح أبوابًا كثيرة، وإذا بالجواب الذي بدا واضحًا في البداية يقود إلى سؤال أصعب منه.

ومن هذه الأسئلة سؤال يبدو في ظاهره محسومًا:

من يعيّن رئيس الحكومة في المغرب؟

الجواب الذي يقدمه الدستور واضح في ظاهره. الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

لكن الدستور لا يعيش في الكلمات وحدها. فالنص حين يدخل ميدان السياسة يلتقي بنتائج الانتخابات، وبموازين القوى داخل البرلمان، وبالتحالفات، وبالقدرة على تشكيل الحكومة، وبإرادة المؤسسات. وعند هذه النقطة بالذات يبدأ السؤال الحقيقي.

ماذا يحدث إذا تصدر حزب الانتخابات، لكنه لم يستطع تشكيل الحكومة؟

وماذا يحدث إذا كان حزب آخر، لم يتصدر الانتخابات، قادرًا على جمع أغلبية برلمانية واضحة؟

وماذا لو عجز رئيس الحزب المتصدر عن تشكيل الحكومة، ثم بقي حزبه هو المتصدر؟

وماذا لو عجز شخص آخر من الحزب نفسه؟

وأين تنتهي دلالة نتائج الانتخابات، وأين يبدأ الاختصاص الملكي، وأين تظهر إرادة البرلمان؟

بل إن السؤال الأعمق ربما لا يكون متعلقًا بمن يعيّن رئيس الحكومة أصلًا، وإنما بما أراده الدستور من العلاقة بين الانتخابات والتعيين والثقة البرلمانية.

هل أراد أن تكون الحكومة امتدادًا مباشرًا لنتائج صناديق الاقتراع؟ أم أن الحكومة لا تكتمل إلا حين تستطيع أن تجد لها أغلبية داخل البرلمان؟ أم أننا أمام بناء دستوري تتقاطع فيه أكثر من إرادة وأكثر من اختصاص، بحيث لا تستطيع واحدة منها أن تفسر المشهد كله؟

هنا لا يعود الفصل 47 مجرد مادة من مواد الدستور.

بل يصبح امتحانًا لفهم الدولة نفسها.

حين تتكلم الانتخابات بوضوح

لنفترض أن الانتخابات أفرزت مجلسًا حصل فيه الحزب الأول على أغلبية واسعة، بينما جاءت بقية الأحزاب بفارق كبير عنه.

في مثل هذه الحالة لا يبدو السؤال معقدًا. الحزب الذي تصدر الانتخابات هو نفسه القادر على جمع الأغلبية التي تمكن الحكومة من الحصول على ثقة مجلس النواب. تلتقي النتيجة الانتخابية مع القدرة السياسية، ويلتقي التصدر مع الأغلبية، فلا تظهر المسافة التي تجعلنا نتساءل عن معنى الفصل 47 وحدوده.

لكن الدساتير لا تكشف أعقد أسرارها في اللحظات التي تتطابق فيها الأشياء.

إنها تُختبر عندما تنقسم الإرادات.

فلنفترض أن الحزب الأول حصل على 110 مقاعد، والحزب الثاني على 100، والثالث على 70، والرابع على 45، وتوزعت بقية المقاعد بين أحزاب أخرى.

الحزب الأول هو المتصدر.

لكن الحزب الثاني يستطيع، إذا تحالف مع الثالث والرابع، أن يجمع أغلبية برلمانية تتجاوز النصف.

هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا.

إذا كانت الأغلبية التي تستطيع منح الحكومة الثقة موجودة عند الحزب الثاني وحلفائه، فلماذا لا يكون رئيس الحكومة منه؟

الجواب يقودنا إلى كلمة واحدة في الفصل 47: المتصدر.

الدستور لم يقل إن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب الذي يستطيع جمع أكبر ائتلاف برلماني. ولم يقل إن المعيار هو الشخص القادر على الحصول على أكبر عدد من الأصوات داخل البرلمان. ولم يقل إن الحزب الذي يملك أغلبية التحالفات يصبح تلقائيًا هو الحزب المعني بالتعيين.

لقد ربط التعيين بالحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

وهنا لا تعود الكلمة تفصيلًا لغويًا.

ففي النصوص الدستورية، ليست الكلمات زينة. وقد يكون الفرق بين لفظ وآخر هو الفرق بين اختصاص واختصاص، وبين سلطة وأخرى، وبين ما أراده المشرع الدستوري وما لم يرده.

وهذا يقود إلى حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط النقاش السياسي.

التصدر الانتخابي ليس هو نفسه امتلاك الأغلبية البرلمانية.

قد يتصدر حزب الانتخابات ولا يستطيع وحده تشكيل حكومة. وقد تكون الأغلبية موزعة بين أحزاب لم يتصدر أي واحد منها الانتخابات.

ومن هنا فإن تصدر الانتخابات لا يعني أن الحزب أصبح، بمجرد إعلان النتائج، مالكًا للحكومة.

لكنه يعني شيئًا دستوريًا بالغ الأهمية: أن مسار التعيين يبدأ من ذلك الحزب.

وهذه المسافة تبدو صغيرة في اللغة، لكنها كبيرة جدًا في القانون.

التصدر ليس حكمًا

من الخطأ أن نقرأ الفصل 47 كما لو أن الحزب الذي تصدر الانتخابات أصبح، بمجرد تصدره، صاحب مفاتيح السلطة التنفيذية.

الحكومة لا تولد بمجرد إعلان نتائج الانتخابات، ورئيس الحكومة لا يصبح مستغنيًا عن البرلمان بمجرد أن يصدر قرار تعيينه.

هناك مرحلة أخرى لا تقل أهمية عن لحظة التعيين.

إنها مرحلة الثقة.

فالحكومة لا تعتبر منصبة إلا بعد أن يعرض رئيسها برنامجها أمام البرلمان، وتحصل على ثقة مجلس النواب وفق الشروط التي حددها الدستور.

وهنا تظهر دقة البناء الدستوري.

الانتخابات تحدد نقطة الانطلاق، لكنها لا تكفي وحدها لتنصيب الحكومة.

نتائج الانتخابات تقود إلى الحزب الذي يكون منه رئيس الحكومة وفق الفصل 47. والملك يمارس اختصاص التعيين. ورئيس الحكومة يدخل بعد ذلك في مهمة تشكيل الحكومة وإعداد برنامجها. ثم يأتي البرلمان ليقول كلمته في لحظة الثقة.

وهكذا فإن التصدر ليس حكمًا نهائيًا.

إنه بداية لمسار دستوري لا يكتمل إلا بمروره من مؤسسات أخرى.

لكن ماذا لو فشل صاحب البداية؟

هنا تبدأ المنطقة التي يصبح فيها السؤال أكثر عمقًا من النص نفسه.

لنفترض أن الحزب الأول تصدر الانتخابات، وعُين منه رئيس للحكومة، ثم بدأ مفاوضاته مع بقية الأحزاب.

حزب يرفض.

وحزب يشترط.

وحزب يطلب المشاركة بشروط.

وحزب آخر يفضل البقاء خارج الحكومة.

ويمضي الوقت.

ثم لا تولد الحكومة.

ماذا يقول الدستور عند هذه اللحظة؟

الفصل 47 يحدد الحزب الذي يكون منه رئيس الحكومة، لكنه لا يضع في عبارته نفسها جدولًا زمنيًا تفصيليًا يقول إن فشل رئيس الحكومة المكلف بعد عدد معين من الأيام يؤدي تلقائيًا إلى انتقال التعيين إلى الحزب الثاني.

ولا يقول إن مجرد عجز الشخص الأول عن تشكيل الحكومة يجعل الحزب الثاني هو المتصدر.

وهنا يجب أن نتوقف.

فالصمت الدستوري لا يجوز أن يتحول إلى قاعدة لمجرد أن السياسة تحتاج إليها.

كما لا يجوز، في المقابل، أن نفهم غياب الآلية التفصيلية في فصل معين باعتباره غيابًا مطلقًا لأي حل دستوري.

الدستور ليس فصلًا واحدًا.

إنه منظومة.

والمنظومة لا تقرأ بجملة مبتورة عن بقية النصوص.

قد يفشل الشخص ولا يفشل الحزب

هذه الجملة تقودنا إلى واقعة أصبحت من أكثر الوقائع إثارة للتأمل في التجربة الدستورية المغربية الحديثة.

في انتخابات 2016، تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج الانتخابات، وكُلّف عبد الإله ابن كيران بتشكيل الحكومة.

تعطلت المفاوضات السياسية، ولم يتمكن من الوصول بها إلى تشكيل الحكومة.

ثم جاء 17 مارس 2017.

لم ينتقل الأمر في تلك الواقعة إلى الحزب الثاني.

بل تغير الشخص وبقي الحزب.

عُين سعد الدين العثماني رئيسًا للحكومة وكُلّف بتشكيلها، وكان من الحزب نفسه الذي تصدر انتخابات 2016.

وهنا وقع أمر بالغ الدلالة.

الشخص تغير، لكن نتيجة الانتخابات لم تتغير.

الحزب الذي تصدر بقي هو الحزب المتصدر.

ولم يتحول فشل ابن كيران في تشكيل الحكومة إلى سبب يجعل الحزب الثاني هو الحزب الذي تصدر الانتخابات.

وهذه الواقعة تفتح بابًا مهمًا في فهم الفصل 47.

فالقيد الذي وضعه النص يتعلق بالحزب الذي تصدر الانتخابات، ولا يتضمن النص نفسه قاعدة تقول إن الشخص الذي عُين أولًا يمتلك حقًا شخصيًا دائمًا في الاستمرار في مهمة تشكيل الحكومة.

لكن هنا ينبغي ألا نذهب أبعد مما تسمح به الواقعة.

فما حدث سنة 2017 يبين كيف استُعمل النص في حالة محددة، لكنه لا ينشئ بمفرده قاعدة دستورية عامة لكل حالة مستقبلية.

الممارسة يمكن أن تساعد في تفسير النص.

لكن الممارسة لا تستطيع أن تكتب نصًا جديدًا مكان النص القائم.

وهنا يظهر الفرق بين تفسير الدستور وكتابة دستور آخر باسمه.

هل ننتقل إلى الحزب الثاني؟

هنا يصبح السؤال أكثر حساسية.

فلنفترض أن الحزب الأول تصدر الانتخابات، لكنه لم يستطع تشكيل الحكومة، بينما يستطيع الحزب الثاني أن يجمع، بائتلاف واضح، أغلبية برلمانية تمكنه من نيل الثقة.

منطق السياسة قد يقول ببساطة: خذ من يستطيع أن يحكم.

لكن القانون يسأل سؤالًا آخر قبل ذلك: من تصدر الانتخابات؟

وهنا يجب ألا نحول القدرة على جمع الأغلبية إلى معيار بديل للمعيار الذي وضعه الفصل 47.

فالنص لم يقل إن رئيس الحكومة يأتي من الحزب الذي يستطيع جمع أكبر ائتلاف، وإنما ربط التعيين بالحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.

ولهذا فإن القول إن الحزب الثاني يصبح تلقائيًا صاحب الحق في التعيين بمجرد أن يستطيع جمع الأغلبية، هو قول يحتاج إلى أكثر من منطق سياسي. يحتاج إلى أساس دستوري.

وقد يرى بعض الفقه أن الضرورة السياسية والقدرة على تشكيل حكومة فعالة يمكن أن تفتح بابًا للتأويل.

وقد يرى آخرون أن احترام نتيجة الانتخابات يقتضي عدم تجاوز الحزب المتصدر إلا من خلال آلية دستورية واضحة.

لكن الشيء الذي لا ينبغي فعله هو تقديم أحد هذين الرأيين على أنه نص صريح.

فهناك فرق بين ما يقوله الدستور، وما يمكن أن يستنتجه الفقه منه، وما تقترحه السياسة باعتباره مخرجًا.

وهذا الفرق هو الذي يجعل المسألة مثيرة إلى هذا الحد.

فالديمقراطية ليست مجرد جمع الأصوات بعد انتهاء الانتخابات.

إنها أيضًا احترام الطريقة التي اختار بها الدستور أن يعطي لهذه الأصوات أثرها.

ماذا لو انسد كل شيء؟

هنا نصل إلى المنطقة التي لا يكفي فيها الفصل 47 وحده.

إذا تعذر تشكيل الحكومة، فلا يصح أن نقول إن الدستور ترك الدولة بلا أي إطار للتعامل مع الأزمة.

لكن لا يصح أيضًا أن نخترع تسلسلًا آليًا لا ينص عليه.

الفصل 42 يضع الملك في موقع رئيس الدولة والحكم الأسمى بين مؤسساتها، ويجعل من ضمان دوام الدولة واستمرارها والسهر على حسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي جزءًا من موقعه الدستوري.

ثم نجد في الدستور أحكامًا أخرى تتصل باستمرار المؤسسات، ومنها الأحكام المتعلقة بحل البرلمان.

لكن وجود هذه الاختصاصات لا يعني أن استعمالها يصبح تلقائيًا لمجرد أن مفاوضات تشكيل الحكومة تعثرت.

لكل اختصاص مجاله وشروطه وآثاره.

وهنا تكمن إحدى أخطر النقاط في المسألة كلها.

الدستور ليس آلة نضغط فيها على زر عند وقوع أزمة سياسية.

إنه بناء تتوزع داخله الاختصاصات، وتتداخل فيه المؤسسات، وتوجد فيه أحيانًا مناطق لا يعطي فيها النص جوابًا ميكانيكيًا جاهزًا.

ومن هنا لا ينبغي أن نبحث عن زر واحد للانسداد السياسي.

ينبغي أن نبحث عن حدود كل مؤسسة، وعن العلاقة بين النصوص، وعن المسافة التي يمكن أن يقطعها التأويل قبل أن يتحول إلى إنشاء قاعدة جديدة.

ثم جاء ابن كيران

حين ننظر إلى تجربة ابن كيران بهذه الطريقة، فإنها تبدو أكبر من مجرد واقعة سياسية.

لم تكن القضية مجرد مفاوضات حزبية طويلة انتهت بالفشل.

لقد وضعت الفصل 47 أمام سؤال عملي لم يكن أحد يستطيع الاكتفاء بشأنه بالنظرية.

ماذا يحدث عندما يفشل الشخص الذي عُين من الحزب المتصدر في تشكيل الحكومة؟

الواقع الذي حدث سنة 2017 قدم جوابًا عن جانب محدد من المسألة.

بقي الحزب المتصدر هو نفسه، بينما تغير الشخص المكلف.

وهذا يعني أن فشل الشخص الأول لم يُفهم في تلك الحالة باعتباره سقوطًا لنتيجة الانتخابات.

لكن هذه الواقعة لا تقول إن كل أزمة مستقبلية يجب أن تنتهي بالطريقة نفسها.

ولا تقول إن كل رئيس حكومة مكلف يمكن استبداله إلى ما لا نهاية.

ولا تمنح الحزب المتصدر سلطة دستورية مفتوحة لا تنتهي.

إنها تقول شيئًا أضيق، لكنه مهم جدًا:

يمكن أن يتغير الشخص دون أن يتغير الحزب الذي تصدر الانتخابات.

وهذه الملاحظة وحدها تكفي لجعل تجربة 2017 جزءًا من أي نقاش جاد حول الفصل 47.

لكنها لا تنهي النقاش.

بل ربما تكون هي التي تبدأه.

هل الحزب المتصدر يملك حقًا مطلقًا؟

الجواب لا.

وكما أن من الخطأ القول إن فشل رئيس الحكومة المكلف يسقط الحزب المتصدر تلقائيًا، فمن الخطأ المقابل القول إن الحزب المتصدر يملك أن يفرض على الملك شخصًا بعينه.

الدستور يقول إن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات.

والتعيين اختصاص ملكي.

لكن هذا الاختصاص لا يمارس في فراغ، لأن الدستور نفسه وضع له قيدًا يتعلق بالحزب المتصدر.

وفي المقابل، فإن الحزب المتصدر لا يملك، وفق الفصل 47، أن يمارس اختصاص التعيين بنفسه.

نحن إذن أمام معادلة دقيقة.

الاختصاص في التعيين ملكي، والقيد في التعيين دستوري.

لا يجوز إلغاء الاختصاص باسم القيد، كما لا يجوز إلغاء القيد باسم الاختصاص.

وهنا تكمن دقة الفصل 47.

فالملك لا يختار رئيس الحكومة من أي مكان وبلا قيد.

والحزب المتصدر لا يعين رئيس الحكومة بنفسه.

والبرلمان لا ينتخب رئيس الحكومة مباشرة.

لكن الحكومة، بعد تشكيلها، لا تستقر دون المرور من بوابة الثقة البرلمانية.

فمن يصنع رئيس الحكومة إذن؟

إذا كان الملك هو الذي يعين، والدستور يحدد الحزب الذي يأتي منه رئيس الحكومة، والحزب المتصدر لا يملك تعيين رئيس الحكومة بنفسه، والبرلمان لا ينتخب رئيس الحكومة مباشرة، ثم كانت الحكومة لا تعتبر منصبة إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، فمن الذي يصنع رئيس الحكومة في النهاية؟

الجواب الذي يليق بالدستور ليس اسم شخص.

إنه تركيب كامل.

فالناخب لا يختار رئيس الحكومة مباشرة.

لكنه ينتخب مجلس النواب، وتنتج الانتخابات نتيجة تجعل حزبًا معينًا في موقع المتصدر.

والحزب المتصدر لا يعين رئيس الحكومة.

لكنه يمثل الإطار الحزبي الذي حدد الدستور أن يأتي منه رئيس الحكومة.

والملك لا يختار رئيس الحكومة من فراغ.

بل يمارس اختصاص التعيين داخل القيد الدستوري.

ورئيس الحكومة لا يحكم بمجرد تعيينه.

بل يدخل في مسار تشكيل الحكومة وعرض برنامجها ونيل الثقة.

والبرلمان لا يختار رئيس الحكومة ابتداءً، لكنه يملك في مرحلة التنصيب أن يمنح الحكومة الثقة أو يحجبها.

وهكذا تتقاطع في العملية إرادة الناخب، والنتيجة الحزبية، والاختصاص الملكي، والثقة البرلمانية.

ولا تستطيع واحدة منها وحدها أن تشرح الصورة كلها.

ولهذا فالسؤال الأول ليس هو السؤال الحقيقي

حين يسأل المواطن: من يعيّن رئيس الحكومة؟

فهو في العمق يسأل شيئًا أكبر.

من يملك القرار عندما لا تتطابق نتائج الانتخابات مع القدرة على تشكيل الحكومة؟

وهنا يبدأ العمق الحقيقي للفصل 47.

فالدستور لم يجعل رئيس الحكومة منتخبًا انتخابًا مباشرًا.

ولم يجعل البرلمان ينتخبه.

ولم يترك للملك حرية اختياره من أي حزب.

ولم يمنح الحزب المتصدر سلطة فرض شخص بعينه.

بل أقام مسارًا تتعاقب فيه مراحل متعددة.

الشعب ينتخب مجلس النواب.

والانتخابات تكشف الحزب المتصدر.

والملك يعين رئيس الحكومة من ذلك الحزب وعلى أساس نتائج الانتخابات.

ورئيس الحكومة يدخل في مهمة تشكيل الحكومة وإعداد برنامجها.

ثم تعرض الحكومة برنامجها أمام البرلمان.

ثم تأتي الثقة.

فإذا استقامت هذه الحلقات، استقامت الحكومة.

أما إذا انكسرت إحدى الحلقات، فإن السؤال لا يعود سؤالًا عن شخص.

يصبح سؤالًا عن النظام كله.

وهنا تظهر قيمة الدستور المغربي

ليس الدستور وعدًا بأن السياسة لن تختلف.

ولا هو نص يمنع الخلافات الحزبية أو التحالفات أو فشل المفاوضات.

الدستور يفعل شيئًا أكثر صعوبة.

إنه يحاول أن يمنح الاختلاف السياسي إطارًا مؤسسيًا، وأن يحافظ في الوقت نفسه على استمرار الدولة وحسن سير مؤسساتها وصيانة الاختيار الديمقراطي.

ولهذا فإن الفصل 47 لا ينبغي أن يُقرأ وحده.

من يقرأ الفصل 47 يرى التعيين.

ومن يقرأ الفصل 88 يرى الثقة.

ومن يقرأ الفصل 42 يرى موقع الملك في ضمان دوام الدولة وحسن سير المؤسسات وصيانة الاختيار الديمقراطي.

ومن يقرأ الأحكام الأخرى المتعلقة بالبرلمان وآليات عمله يرى بقية البناء.

أما من يقرأ هذه النصوص مجتمعة، فإنه يكتشف أن الدستور لا يعطي جوابًا منفردًا، بل يرسم علاقة بين مؤسسات متعددة.

وهنا تحديدًا تكمن المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها.

ماذا يحدث عندما تتعارض الإرادات؟

ماذا يحدث إذا كان الحزب المتصدر غير قادر على تشكيل الحكومة؟

هل يبقى التعيين مرتبطًا به مهما طال الانسداد؟

هل يمكن أن يأتي شخص آخر من الحزب نفسه؟

وإذا فشل الشخص الثاني، فهل يتغير الأمر؟

وإذا كان الحزب الثاني قادرًا على تشكيل حكومة مستقرة، فهل تكفي هذه القدرة وحدها لفتح الباب أمامه؟

وإذا تعذر كل شيء، فما هي اللحظة التي يصبح فيها البحث عن مخرج دستوري آخر أمرًا ضروريًا؟

ثم يأتي السؤال الأكثر خطورة من الجميع.

من يملك، دستوريًا، أن يقول إن محاولة تشكيل الحكومة قد استنفدت إمكاناتها؟

هنا تتوقف المسألة عن كونها نقاشًا حول اسم رئيس الحكومة.

وتتحول إلى بحث في حدود السلطة الدستورية نفسها.

وهنا تصبح واقعة ابن كيران أكثر من واقعة.

وتصبح الفصول 42 و47 و88 و96 أكثر من أرقام.

ويصبح الدستور أمامنا ميزانًا دقيقًا بين ثلاثة مطالب لا يستطيع النظام الديمقراطي الاستغناء عن أي واحد منها: احترام إرادة الناخب، وضمان فعالية المؤسسات، وحماية الدولة من الانسداد.

لكن المشكلة أن تحقيق واحد منها لا ينبغي أن يكون على حساب الآخرين.

فإذا قيل إن إرادة الناخب هي كل شيء، فقد نصل إلى حكومة يستحيل تشكيلها.

وإذا قيل إن القدرة على تشكيل الأغلبية هي كل شيء، فقد يصبح تصدر الانتخابات بلا أثر حقيقي.

وإذا قيل إن الحفاظ على استمرارية المؤسسات يبرر كل شيء، فقد نكون قد منحنا التأويل سلطة تتجاوز النص.

وهنا بالذات يقف القانون أمام السياسة.

السياسة تبحث عن الممكن.

والقانون يسأل عن الأساس.

السياسة تريد مخرجًا.

والدستور يريد أن يعرف من يملك حق فتح ذلك المخرج، وبأي حدود، وتحت أي شرعية.

ولهذا فإن السؤال الذي بدأ بسيطًا، من يعيّن رئيس الحكومة، لم يكن في الحقيقة سؤالًا عن اسم.

كان سؤالًا عن السلطة.

وعن الإرادة.

وعن الحدود.

وعن تلك اللحظة الدقيقة التي تنتهي فيها نتيجة الانتخابات ولا تكون الحكومة قد ولدت بعد.

حين تقول صناديق الاقتراع كلمتها، ثم يعجز الحزب المتصدر عن تحويل تلك الكلمة إلى حكومة، فمن تكون له الكلمة التالية؟

هل تكون للحزب نفسه؟

هل تكون لشخص آخر منه؟

هل تكون للأغلبية البرلمانية؟

هل يكون الحل في تركيب سياسي جديد؟

أم أن الدستور يفتح طريقًا آخر لا يظهر إلا حين نقرأ نصوصه مجتمعة؟

ثم، قبل كل ذلك، من يملك أن يقول إن المحاولة انتهت؟

هذا هو السؤال الذي لا يحسمه اسم ابن كيران.

ولا يحسمه اسم العثماني.

ولن يحسمه اسم أي رئيس حكومة آخر.

لأن الأشخاص يتغيرون، والأحزاب تتقدم وتتراجع، والتحالفات تولد ثم تنقض.

أما الامتحان الدستوري فيبقى.

وفي النهاية، ربما لا يكون أصعب سؤال في الفصل 47 هو من يعيّن رئيس الحكومة.

بل من يملك، عندما تتعثر الإرادات، أن يحدد أين تنتهي إرادة الناخب، وأين يبدأ الاختصاص، وأين يقف البرلمان، وأين تنتهي السياسة وتبدأ حدود الدستور.

ومن هنا يبدأ الجزء الأصعب من الحكاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى