مجتمع

قِيمَةُ الشَّبابِ فِي الإِسْلَامِ (الشباب… طاقة الأمة وذخيرة مستقبلها)

 

ركَّبه: د. يوسف الحزيمري

تحلّ هذه الأيام ذكرى عيد الشباب في المملكة المغربية، هذه المناسبة الوطنية التي تأسست غداة الاستقلال، احتفاءً بجيل حمل هموم بناء الوطن، لتستمر منذ ذلك الحين محطةً سنوية تحمل رمزية وطنية ترتبط بذكرى ميلاد الملك محمد السادس نصره الله، وبمكانة الشباب في المجتمع ودورهم الأساسي في البناء والتنمية واستمرارية الأجيال.

وإذا كانت هذه الذكرى يومًا في السنة تكريمًا لشبابها وتذكيرًا بمكانتهم، فإن ديننا الحنيف قد جعل من مرحلة الشباب بأكملها ميدان عناية خاصة، وموسم اختبار وابتلاء، ووعد من أحسن استثماره بعظيم الأجر والمنزلة. فكانت هذه المناسبة الوطنية فرصةً لاستحضار هذه المكانة الرفيعة التي أولاها الإسلام للشباب، واستلهام الدروس التي تعين هذا الجيل على أداء أمانته تجاه دينه ووطنه.

إن لمرحلة الشباب في التصوّر الإسلامي مكانةً محوريّة، فهي مرحلة العطاء والبناء، وموسم القوة الذي يُغرَس فيه ما يُحصَد أثره طوال العمر، ولم يتعامل الإسلام مع الشباب بوصفهم مرحلة عابرة من العمر فحسب، بل جعلهم عماد الدعوة، وسواعد الأمة، ومحلّ الرجاء في نهضتها وإصلاحها، ومن هنا كانت عناية القرآن الكريم والسنة النبوية بهذه المرحلة عناية بالغة، تربيةً وتوجيهًا واستثمارًا.

وتسعى هذه المقالة المتواضعة إلى إبراز قيمة الشباب في الإسلام من خلال النصوص الشرعية، وبيان خصائص هذه المرحلة، والوقوف على نماذج مضيئة من شباب الصحابة رضي الله عنهم، وصولًا إلى استخلاص السبل العملية لاستثمار طاقة الشباب فيما ينفع الدين والدنيا.

حفل القرآن الكريم بنماذج شبابية خالدة، سطّرت مواقف الإيمان والثبات والشجاعة في وجه الطغيان، ومن أبرزها:

✦ أصحاب الكهف: فتيةٌ آمنوا بربهم ففرّوا بدينهم من الفتنة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.

✦ إبراهيم عليه السلام: تصدّى لعبادة الأصنام في شبابه وهو ما زال فتًى، كما جاء: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.

✦ موسى عليه السلام: امتاز في شبابه بالقوة والأمانة، وهما صفتان طلبهما فيه من استأجره: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.

وفي هذه النماذج إشارة واضحة إلى أن القوة الإيمانية والفكرية والجسدية التي يتميز بها سنّ الشباب هي رأس مال ثمين إذا وُجِّه للحق أثمر تغييرًا حقيقيًا.

وهو ما عبر عنه ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما بقوله: “مَا بعث الله نبيًا إلا وهو شاب، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب وقرأ: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لفتاه}، {إنهم فتية آمنوا بربهم}”[أخرجه الطبراني في الأوسط (6421). وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه].

هذا وقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم الشباب عنايةً خاصة، ومن أبلغ ما ورد في ذلك حديث السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وفيه: «… وشابٌّ نشأ في عبادة الله …» متفق عليه.

فخصّ النبي صلى الله عليه وسلم الشابّ بالذكر دون غيره من الأعمار، لأنّ استقامة الشاب في سنّ الفتوة، مع كثرة الدواعي إلى الانحراف وقوة الشهوة، تدلّ على صدق إيمانه وعظيم مجاهدته لنفسه. ولذلك قال الكرماني في شرحه على البخاري: «لم يقل بدله رجل لأن العبادة في الشباب أشد وأشق لكثرة الدواعي، وغلبة الشهوات، وقوة البواعث على متابعة الهوى.»

كما وجّه النبي صلى الله عليه وسلم الشباب إلى استثمار أوقاتهم قبل فوات الأوان، فقال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» رواه الحاكم والبيهقي.

يقول السمرقندي في تنبيه الغافلين: «فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخمس علما كثيرا، لأن الرجل يقدر على الأعمال في حال شبابه ما لا يقدر عليه في حال هرمه، ولأن الشباب إذا تعود على المعصية لا يقدر على الامتناع منها في حال هرمه، فينبغي للشاب أن يتعود في حال شبابه أعمال الخير لتسهل عليه في حال هرمه.»

وفيه أيضا الحث على المبادرة بالأعمال الصالحة، قال ابن عطية في المحرر الوجيز: «فيكون متى أراد أن يصنع خيرا بادر إليه ولم يسوف نفسه بالأمل، فهذه أيضا مسارعة في الخيرات».

ومن التوجيه النبوي كذلك أن الإنسان يوم القيامة يُسأل عن عمره عامّة، ثم يُخصّ الشباب بسؤال مستقلّ لأهميته، كما في حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) رواه الترمذي، وفيه دلالة صريحة على استقلال «الشباب» بالمساءلة الخاصة، لخطورة هذه المرحلة وأثرها البالغ فيما بعدها.

وهذه العناية بالشباب في الإسلام نظرا لما تتميز به هذه المرحلة من خصائص تعتبر الوقود والمادة الخام لنهضة الأمم وازدهارها، وهي:

✦ القوة البدنية والذهنية: أعلى درجات النشاط والحيوية والقدرة على التحمّل والإنجاز.

✦ الحماسة والاندفاع: استعداد فطري للتضحية والبذل، وقابلية للتأثر بالقيم الكبرى.

✦ المرونة والقابلية للتشكّل: سهولة اكتساب المهارات والعلوم، وترسّخ ما يُغرس من عقائد وأخلاق.

✦ التطلّع للتغيير: رغبة في الإصلاح ورفض الجمود، وهي طاقة إن أُحسن توجيهها كانت أداة نهضة.

✦ قوة الشهوة وكثرة الفتن: وهو ما يجعل الاستقامة في هذه المرحلة أعظم أجرًا، كما سبق في الحديث.

ولم تكن الرسالة المحمدية لتنتشر وتترسّخ لولا سواعد شبابية آمنت وضحّت، ومن أبرز هذه النماذج:

✦ مصعب بن عمير رضي الله عنه: ترك النعيم والترف، وكان أول سفير للإسلام إلى المدينة المنورة، فأسلم على يديه خلق كثير.

✦ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: أسلم وهو فتى صغير، وبات على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة فداءً له.

✦ أسامة بن زيد رضي الله عنه: تولّى قيادة جيش المسلمين وهو في نحو الثامنة عشرة من عمره.

✦ معاذ بن جبل رضي الله عنه: من أفقه الصحابة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا وهو شابّ يافع.

✦ عبد الله بن عباس رضي الله عنه: لازم النبي صلى الله عليه وسلم صغيرًا فأصبح حبر الأمة ومفسّر القرآن.

هذه النماذج تؤكّد أن الإسلام لم يُقصِ الشباب عن مواقع القيادة والريادة، بل جعل الكفاءة والإخلاص معيار المسؤولية، لا السنّ وحده.

وهنا يتحمل الشباب مسؤولية اتجاه دينهم وأمّتهم في حفظ الأمانة الإيمانية والخُلقية في زمن كثرت فيه الفتن والمغريات، وفي طلب العلم الشرعي والدنيوي النافع، فهو زاد النهضة وسلاح مواجهة الشبهات، وكذا المشاركة الإيجابية في خدمة المجتمع والدعوة إلى الخير بالحكمة والقدوة الحسنة.

وأيضا حسن استثمار الوقت والطاقة فيما يعود بالنفع، بعيدًا عن اللهو المُذهب للعمر بلا فائدة، وبناء الذات: صحةً وعلمًا ومهارةً، إعدادًا لتحمّل المسؤولية في الأسرة والمجتمع.

ولاستثمار طاقة الشباب يتوجب العمل على:

✦ تنظيم الوقت وتحديد أولويات واضحة بين العبادة والعلم والعمل والراحة.

✦ اختيار الرفقة الصالحة التي تُعين على الطاعة وتُبعد عن الانحراف.

✦ الموازنة بين حظّ الدنيا وحظّ الآخرة، دون إفراط أو تفريط.

✦ تطوير المهارات والانخراط في أعمال تطوعية ومبادرات نافعة للمجتمع.

✦ المحافظة على الصحة البدنية والنفسية، فهي أمانة يُسأل عنها العبد.

إن قيمة الشباب في الإسلام لا تُقاس بعدد سنوات هذه المرحلة، بل بما تحمله من طاقة وقدرة على الفعل والتغيير، وقد جعل الإسلام من هذه المرحلة ميدان اختبار وابتلاء، ووعد من أحسن فيها استغلالها بالفضل العظيم في الدنيا والآخرة. فحريّ بكل شاب مسلم أن يعي قيمة عمره، فيجعل من شبابه سلّمًا يرتقي به إلى رضا ربه، ولبنةً صالحة في بناء أمته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى