مجتمع

صفعة مدوية لأحمد التوفيق.. قراءة في دلالات تحقيق “الصباح” حول صراع الشرعية والمشروعية داخل الزاوية القادرية البودشيشية

 

لا يمكن اعتبار أن التحقيق الذي نشرته يومية “الصباح” حول ما يجري داخل الزاوية القادرية البودشيشية مادة صحفية عابرة فقط، أو تغطية لخلاف داخلي محدود، بقدر ما يمثل حدثا إعلاميا وسياسيا ودينيا، يستحق التوقف عند دلالاته العميقة، بالنظر إلى طبيعة المؤسسة المعنية، وإلى مكانة المنبر الإعلامي الذي اختار الخوض في هذا الملف الحساس.

 

فالزاوية القادرية البودشيشية تعد واحدة من أكبر المؤسسات الروحية بالمغرب والعالم الإسلامي، كما راكمت على امتداد عقود طويلة حضورا وازنا في الدفاع عن الإسلام الوسطي المعتدل، والإسهام في ترسيخ الثوابت الدينية والوطنية للمملكة، وعلى رأسها إمارة المؤمنين، فضلا عن دورها التربوي والأخلاقي في تأطير أجيال متعاقبة من الشباب داخل المغرب وخارجه.

 

ومن هنا تكتسب المعركة الدائرة حول الخلافة الروحية داخل الزاوية بُعدا يتجاوز الأشخاص والأسماء، لينتقل إلى مستوى الشرعية والمؤسسات واستقلالية الحقل الصوفي نفسه.

 

فحين يتحدث التحقيق عن غياب وصية شرعية أو إذن صريح يخول لمُعاذ البودشيشي تدبير الشأن الروحي للطريقة، وحين يربط ذلك بتدخلات خارجية هدفت إلى فرض أمر واقع جديد، فإن القضية تتحول من خلاف عائلي أو تنظيمي، إلى سؤال يتعلق باحترام الأعراف الروحية الراسخة داخل إحدى أهم الزوايا المغربية.

 

وتزداد أهمية هذه المعطيات بالنظر إلى الجهة التي نشرتها، فـ”الصباح” ظلت على امتداد سنوات تُصنف ضمن المنابر الإعلامية القريبة من دوائر القرار، والمواكبة باهتمام للملفات الحساسة داخل الدولة، ولذلك فإن تخصيصها تحقيقا مطولا لهذا الملف لا يمكن فصله عن الرسائل السياسية والمؤسساتية التي يحملها توقيت النشر ومضمونه.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار هذا التحقيق صفعة سياسية وإعلامية قوية لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، بعدما وضعه في قلب اتهامات تتعلق بالانحياز لطرف دون آخر، وبالتدخل في شؤون زاوية ظلت تاريخيا تحافظ على استقلاليتها الروحية والتنظيمية، بالإضافة إلى أن ربط التحقيق بين هذا التدخل وبين علاقات شخصية، يضاعف من حرج الوزارة، ويضع علامات استفهام كبيرة حول مدى احترام الحياد المؤسساتي الواجب في مثل هذه الملفات.

 

ولئن كان من الصعب الجزم بوجود موقف رسمي أو غضبة ملكية مباشرة، فإن طبيعة الرسائل التي حملها التحقيق، واللغة التي اعتمدها، ومكانة الجهة الناشرة، كلها عناصر تدفع إلى قراءة ما بين السطور، واعتبار ما جرى مؤشرا على عدم الرضا عن المسار الذي عرفه هذا الملف خلال السنوات الأخيرة، خاصة إذا تعلق الأمر بمؤسسة صوفية لعبت أدوارا استراتيجية في تحصين الأمن الروحي للمملكة، والدفاع عن إمارة المؤمنين في الداخل والخارج، وجهودها في الدفاع عن القضايا الوطنية، وعلى رأسها الوحدة الترابية، عبر ما يسميه المختصون “الديبلوماسية الروحية”، لا سيما مع دول إفريقية.

 

ولعل أخطر ما تكشفه هذه الأزمة، بحسب أنصار الزاوية، هو أن إرباك مؤسسة روحية بهذا الحجم لم تكن له انعكاسات داخلية فقط، بل امتدت آثاره إلى المجال المجتمعي الأوسع، فالطريقة البودشيشية لم تكن تؤدي وظيفة تعبدية فقط، بل اضطلعت لعقود بمهمة التربية على الأخلاق والقيم والمواطنة الصالحة والانتماء الوطني، ولذلك يرى عدد من المتابعين أن أي إضعاف لهذا الدور التربوي والروحي يفتح المجال أمام فراغ قيمي تستفيد منه مختلف أشكال الانحراف والتطرف والتجييش.

 

وفي هذا السياق، يربط البعض بين إرباك أدوار التأطير الروحي والتربوي، وبين عدد من الظواهر الاجتماعية المستجدة، ومن بينها ما أصبح يعرف إعلاميا بـ”جيل زاد”، حيث جرى استقطاب أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين نحو أشكال من الاحتجاج والتعبئة الرقمية التي كشفت حجم الهشاشة القيمية التي بات يعانيها جزء من الناشئة، في ظل غياب مؤسسات التنشئة الروحية والأخلاقية الفاعلة، وهو الأمر الذي ما فتئ يوصي به وينبه له شيخ الطريقة فضيلة الدكتور مولاي منير القادري بودشيش.

 

ويبقى السؤال الأهم اليوم: ماذا بعد تحقيق “الصباح”؟

 

توحي المؤشرات الحالية بأن الملف دخل مرحلة جديدة، وأن منطق الحسم المؤسساتي قد يكون أقرب من أي وقت مضى، فالتجربة المغربية في تدبير الشأن الديني ظلت دائما تنتصر لمنطق الاستقرار، ووحدة المؤسسات واحترام المرجعيات التاريخية والروحية.

 

ومن هذا المنطلق، يتوقع العديد من المتابعين أن تتجه الأمور نحو إعادة الاعتبار للمرجعيات الوصائية التي أرساها شيخ الطريقة سيدي حمزة القادري بودشيش قدس الله سره، وكرسها من بعده خليفته مولاي سيدي جمال الدين قدس الله سره، بما يفضي إلى تثبيت مولاي سيدي منير القادري بودشيش شيخا للطريقة، باعتباره الامتداد الطبيعي للمشروع الروحي والتربوي الذي صنع إشعاع الزاوية داخل المغرب وخارجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى