مجتمع

المدرسة العمومية في المغرب: إصلاح متواصل وأسئلة مستمرة

 

متابعة : يوسف بولمان

 

 

لم تعد أزمة المدرسة العمومية في المغرب مرتبطة فقط بنقص المؤسسات التعليمية أو صعوبة الولوج إلى المدرسة، بل أصبح السؤال الأهم هو ما الذي يتعلمه التلميذ فعلا داخل الفصل، وهل يحصل أبناء المغاربة على فرص متكافئة في تعليم يضمن لهم مستقبلا أفضل.

 

لا يمكن إنكار ما تحقق خلال السنوات الماضية من توسيع العرض المدرسي، خاصة في العالم القروي، ولا حجم الجهود المبذولة لإصلاح المنظومة التعليمية.

 

لكن اتساع المدرسة لا يعني بالضرورة أن جودة التعلمات تحسنت بالقدر نفسه، فالمشكلة لا تكمن في دخول التلميذ إلى الفصل فقط ، بل في ما يكتسبه داخله من معارف ومهارات.

تكشف معطيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ضمن نتائج برنامج التقييم الدولي للتلاميذ لسنة 2025، عن استمرار صعوبات داخل المؤسسات التعليمية المغربية.

فقد أفاد مديرو مدارس يرتادها 69% من التلاميذ بأن نقص الوسائل التعليمية يؤثر، بدرجات متفاوتة، في التدريس، بينما أشار مديرو مدارس يرتادها 52% من التلاميذ إلى أن وضع البنية التحتية يعرقل العملية التعليمية. وهي مؤشرات تطرح أسئلة حول الظروف التي يطلب من المدرسين والتلاميذ في ظلها تحقيق نتائج أفضل.

لا تتوقف إذن التحديات عند التجهيزات، فالهدر المدرسي والتفاوت بين الوسطين الحضري والقروي يظلان من القضايا التي يصعب تجاوزها بمجرد إعلان إصلاح جديد.

 

فالتلميذ الذي يقطع مسافة طويلة للوصول إلى مدرسته، أو ينتمي إلى أسرة لا تستطيع توفير شروط الدراسة، لا ينطلق من النقطة نفسها التي ينطلق منها تلميذ تتوفر له ظروف أفضل.

وهنا تتحول المساواة في الولوج إلى المدرسة إلى سؤال أوسع يتعلق بالإنصاف في فرص النجاح.

 

في المقابل، يثير توسيع برنامج مدارس الريادة نقاشا حول قدرة الإصلاحات الجديدة على تحسين التعلمات بصورة مستدامة، وليس فقط تحقيق نتائج أولية أو توسيع عدد المؤسسات المستفيدة.

 

فنجاح أي تجربة تربوية يقتضي التقييم المستمر، وتوفير الدعم اللازم للمدرسين، ومراعاة اختلاف السياقات المحلية، حتى لا تتحول الإصلاحات إلى نماذج موحدة لا تستجيب لجميع الحاجات.

 

كما أن المدرس لا يمكن أن يتحمل وحده مسؤولية أزمة مركبة تتداخل فيها المناهج، وظروف العمل، والتجهيزات، والتدبير، وعلاقة المدرسة بالأسرة والمجتمع.

فتحسين جودة التعليم يحتاج إلى إشراك الفاعلين التربويين والاستماع إلى ما يواجهونه داخل الفصول، بدل اختزال الإصلاح في القرارات الإدارية أو تغيير البرامج والمقاربات.

 

إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في إطلاق إصلاحات متتالية، بل في قدرة المدرسة العمومية على إحداث تغيير ملموس في حياة التلاميذ، بصرف النظر عن وضع أسرهم أو مكان إقامتهم ، فحين تصبح جودة التعليم مرتبطة بقدرة الأسرة على تحمل تكاليف إضافية أو اللجوء إلى الدعم خارج المدرسة، فإن مبدأ تكافؤ الفرص يظل ناقصا مهما تعددت البرامج والشعارات.

 

المدرسة العمومية ليست مجرد قطاع يقدم خدمة تعليمية، بل هي إحدى أهم وسائل الحراك الاجتماعي وبناء الثقة في المستقبل.

ولذلك، فإن الدفاع عنها لا يعني تجاهل اختلالاتها، كما أن نقدها لا يعني إنكار ما تحقق فيها من تقدم، المطلوب هو إصلاح يقاس بما يتعلمه التلميذ ، وبما يتاح له من فرص حقيقية للنجاح، لا بعدد المشاريع المعلنة وحدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى